ثمة خطاب سياسوي وإعلاموي يدفع باتجاه خلق أزمة ومواجهة مع الحركة الإسلامية، سواء عبر الصحف أو الصالونات السياسية وأخيرا الهتافات غير المقبولة - بأي حال من الأحوال- التي صدرت عن بعض الاتجاهات الطلابية بالجامعة الأردنية: "نعم للتعيين.. لا للإسلاميين"!
قبل الخوض في أية قضية؛ يجب التذكير ببدهية أنّ الإسلاميين ليسوا ظاهرة عابرة في المجتمعات العربية اليوم، وهم جزء رئيس ومكون أساس في المجتمع الأردني، من حقهم ممارسة العمل السياسي والمدني كأي اتجاه فكري أو سياسي آخر. وإذا كان هناك قوانين أو عملية سياسية وانتخابية تسعى إلى الحد من قوة الحركة الإسلامية ودورها في الحياة السياسية والمدنية، فهي اجراءات لا تقبل بالتعددية التي تمثل جوهر العملية الديمقراطية سياسيا، ولا بحق الاختلاف والتنوع وهو عماد الديمقراطية فكريا.
لا يمكن إدراك طبيعة المصلحة المتوقعة أو المرجوة من وراء تعبئة قطاعات من الشباب الجامعي وفئات من الرأي العام ضد تيار بحجم التمثيل السياسي والاجتماعي لجماعة "الإخوان" إلاّ أنّ هذا التحريض بمثابة خطاب "الحرب الأهلية" الذي يسعى إلى إشعال حرائق اجتماعية وسياسية وخلق حالة أمنية غير صحية، لا تخدم في المحصلة الوطن ولا الانتماء له. بل في تقديري فإنّ التحريض الدعائي الأرعن ضد الحركة الإسلامية يمثل سيفا مصلتا على "الوحدة الوطنية" وعلى النظام السياسي الذي تميّز تاريخيا بروح التسامح والأفق الواسع في إدارة العملية الداخلية.
وإذا كان بعض الكتاب والسياسيين يتحدثون عن "لا وطنية" الإخوان، فلنكشف السجلات التاريخية والوطنية (!) لنتناقش فيمن كان مع الوطن في أحلك الأزمات والظروف ومن لا تعدو وطنيته أن تكون مشروعا شخصيا جهويا يرتديها ويخلعها وفقا لمصالحه وأهوائه. ومن الواضح تماما أن كثيرا من خطابات التحريض لا تنطلق إلا من خنادق تصفية "الحسابات الشخصية" ممن يريدون خوض معاركهم الخاصة باسم الوطن والدولة بحجج وذرائع واهية!
ما سبق لا يعني أن الحركة الإسلامية غير قابلة للنقد أو أنها لا تخطئ. على النقيض من ذلك أرى أن نقد خطاب الحركة الإسلامية وممارساتها واجب على أبنائها وعلى الكتاب الوطنيين سعيا إلى تطويرها وقيامها بدور تنويري- تنموي أكثر فعالية. وشخصيا اختلفت – وأختلف- مع جماعة الإخوان في كثير من القضايا السياسية والفكرية، ونشرت العديد من المقالات في هذا المجال، لكن هذا الاختلاف يجب أن يتم التعامل معه بالطرق الصحيحة من الحوار والحجج والجدال السياسي والفكري، وليس بخلق مناخات من التوتر والتصعيد وخطاب اتهامي غير موضوعي يدفع إلى حالة من الاحتقان السياسي والاجتماعي.
الخطاب التحريضي ضد الحركة الإسلامية سيدفعها، في المحصلة، إلى الوراء وسيعزز خطاب بعض أفرادها بأنها جماعة مستهدفة وأنه لن يسمح لها ممارسة العمل السياسي الحر، وسيعيد الاعتبار إلى مفهوم "المفاصلة" مع الدولة وإلى دعوة عدم التمادي في المشاركة السياسية لأنها في المحصلة ستكون محدودة ومقيدة.
من ناحية أخرى ستستثمر جماعات العنف والتطرف الحملة على الإخوان، لتأكيد حضورها في الأوساط المتدينة بحجة أنّ خيار العمل السياسي المشروع محرم على الإسلاميين، وأنّ التعبير عن الذات لا يتم إلا تحت الأرض، لا في الهواء النقي. ومن المعروف تاريخيا أنّ التنظيمات الأصولية السرية ازدهرت لما تراجعت مشاركة الإخوان في الحياة السياسية منذ منتصف التسعينيات.
ما نحتاج إليه حقا، في الأردن، حتى نتجاوز التجارب السياسية العربية على مد البصر، أن نبني أصول الحوار الصحي الذي يقوم على قبول التعددية وإدارة الاختلاف وتقوية المؤسسات السياسية والمدنية لتشكل وعاء يستوعب الاتجاهات المختلفة ويدفع بها لتكون عامل إثراء وقوة لا فرقة واحتراب داخلي. أما الخطاب العدمي الاتهامي فإنّ آثاره ونتائجه بادية إلى العيان في كثير من الدول العربية التي خاضت حروبا وصراعات، ووصلت في النهاية إلى قاعدة ذهبية تتمثل بأن إدماج الإسلاميين في الحياة السياسية هو ضمانة رئيسة في مواجهة التطرف والعنف واحتواء نزعات الغضب والاحتقان أو الاحتجاج وهي نزعات باتت ترتدي في السنوات الأخيرة ثوباً دينيا!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد