قبل ايام شكلت مع الرفيق موسى المعايطة، امين عام حزب اليسار الاردني، ائتلافاً مارسنا من خلاله نشاطاً ديمقراطياً، ولبينا دعوة على الغداء، فالجميد والارز وخبز (الشراك) او الصاج عامل مشترك بين القوى السياسية والفكرية، وما تفرقه الايدلوجيات والبيانات تجمعه (العزايم). فالمنسف احد القواسم المشتركة لمفردات الساحة الأردنية سواء كانوا ليبراليين او محافظين، يميناً او يساراً، وسواء كانوا مع التفاوض مع اسرائيل او ضده، فالجميع يتناسون هوياتهم السياسية والفكرية ويجتمعون تحت سقف اللحم البلدي.
القصة ليست هنا. لكنني استثمرت هذا النشاط الائتلافي مع الرفاق في اليسار وقوى اليمين لأمارس تدريباً ديمقراطياً لشاب اردني دخل عامه الثالث عشر قبل ايام، فعاصم هو ضيف الشرف الذي قررت اصطحابه إلى هذا النشاط الديمقراطي، وذلك للمساهمة في انجاح خطة الحكومة ووزارة التنمية السياسية، وبخاصة ان الوزارة قطعت اشواطاً في بناء فكرة برلمان الشباب الذي سيتم من خلاله اختيار شباب وبنات ليكونوا ممثلين عن ابناء جيلهم، لهذا قررت ان ادعم خطة الحكومة وأن أُدخل عاصم عالم العمل الديمقراطي، واعلّمه المشاركة في العزايم، وألقي عليه محاضرة خلال مشوار الطريق الصحراوي من عمان الى الكرك حول التنمية السياسية وعلاقتها بالعزايم.
ومنذ الآن سأبدأ بتجهيزه ليكون مشروع نائب في برلمان الشباب باصطحابه إلى كل عزاء او فرح او طهور، وسأستغل اعلان نتائج التوجيهي في الصيف وعودة المغتربين وقبولات الجامعات وحتى حالات الولادة لأجعله (محترفاً) في المشاركة السياسية، وقد اعجبني انه شارك قبل ايام في وفد من مدرسته لتعزية احد (اولاد صفه) الذي فقد شقيقه رحمه الله، فهذا يشير الى انه يفهم جيداً لغتنا الاردنية في المشاركة.
نحن الكبار مرشحين وناخبين ننشغل عند كل عملية انتخابية اولاً بمراجعة ونقد السلوك التمويني للمرشح، ويكون السؤال الاول: هل يقدم الشاي في مقره الانتخابي ام لا؟ ثم يتطور السؤال الى الكنافة والفطاير التي غالباً ما تكون باردة لأنّها تصل إلى القرى من المدينة، وقد تجمد السمن في شرايينها، ثم نسأل عن الطعام والمناسف، وكم مرة اقام غداء او عشاء، وبعد فوزه او خسارته يلحقه العتب وربما الشتم اذا لم يقم بدعوة (من وقفوا معه) على غداء. فالشكر لا علاقة له بالفوز او الخسارة، وبعض النواب لا يزال حتى الآن يلحقه اللوم لأنه لم يقم مأدبة غداء بعد فوزه.
وبعضنا يمارس المشاركة بطريقته؛ فأحد المرشحين كان يجد في بعض الليالي الانتخابية أنّ كاسات الشاي الفارغة يجري تكسيرها من قبل المناصرين، لأنهم يعتقدون أنّه غني. وربما يقول بعضهم (خلي يخسر بكرة بفوز وبعبي جيابه مصاري)، فالعقوبة مبكرة بتكسير كاسات الشاي، واحياناً يستولي بعضهم على ما بقي من باكيتات الفطاير, لانهم يعتقدون ايضاً انهم لن يأكلوا طعام هذا المرشح الا في هذه المرحلة.
برلمان الشباب فكرة جميلة وتدريب بالذخيرة الحية على الديمقراطية، ويجب أن لا يعيق طريقها ان برلمان الكبار (فوق سن 30 عاماً) يحتاج إلى الكثير حتى يأخذ موقعه الكامل كسلطة رقابة وتشريع وعامل توازن مع السلطة التنفيذية، كما لا يجب أن يعيقها أنّ الحياة الحزبية قد تحتاج إلى جراحة صعبة قبل أن تبدأ مساراً مثمراً. لكن ان اردنا شبابنا ديمقراطيين على طريقتنا الحالية فإن الواجب ان نخصص لهم (كوتا) في العزايم، وفي كل مأدبة تقيمها اي من مؤسسات المجتمع المدني او غير المدني؛ لأنّ الاجواء في حياتنا السياسية لا تتيح انتاج جيل يختلف كثيراً عما هو قائم.
الكثير منا في سيارته (دبوس) واحياناً (مشرط) او (مفك)، ونواجه النقد حتى ان كان موضوعياً بالشتيمة او (الزعل)، ننظر حول الحريات في العالم لكننا لا نحب الا المديح. نبتسم في وجه الاخر لكننا نتمنى لو نستطيع حبسه او على الأقل ضربه، وحتى مؤسساتنا الشعبية التي كتبت عشرات الآلاف من الاوراق حول الديمقراطية فإنها تستعمل محاكمها الداخلية للتعامل مع الخصوم، او على الأقل تمارس - غالبا- تشكيكاً بنواياه وارتباطاته وتطلق بحقه اتهامات دون مراعاة لضمير.
الطعام وسيلة للحصول على الواسطة، وايضاً للشكر على نفاذها ونتائجها، ويراه البعض اداة ليقولوا انهم مهمون اذا عزموا الوزراء والاعيان او النواب.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة