مشهد الساحة الفلسطينية يظهِر الحكومة في مواجهة الحصار وحملات التجويع التي تسببها العقوبات الدولية والاسرائيلية على الشعب الفلسطيني بعد نتائج الانتخابات، كما ويظهر ايضاً رئاسة السلطة في حالة هدوء، وجهد حثيث لإظهار ابتعادها او فك ارتباطها عن الحكومة، وتقديم نفسها إلى العالم على أنها طرف آخر! وهناك ايضاً قوى معارضة للحكومة تنتظر فشلها وسقوطها.
وبغض النظر عن السيناريوهات التي يطرحها الاعلام الدولي لحصار الحكومة الفلسطينية، فإن المشهد الذي يتمناه خصومها في الداخل هو ان يخرج الناس للتظاهر ضد الحكومة، مطالبين إياها بالاستقالة لأنها جلبت عليهم الحصار والعزلة. وفي البعد الدولي والاقليمي، فإن الامنية ان تكون تجربة حكومة حماس درساً للشعوب حتى "لا تتهور"، ولا تذهب باتجاه اي خيار يغير معادلة الواقع الموجود.
لكن المنطق السياسي يقول ان ما يجري في مناطق السلطة ليس شبيها بما يجري في الدول الاخرى بين الحكومات والمعارضة، بل هو بين اسرائيل وحلفائها وبين الشعب الفلسطيني؛ والذين يجوعون ويعانون وتغيب رواتبهم ليسوا اعضاء حماس او من قاموا بانتخابها، بل هم كل الناس، والرواتب تنقطع عن قطاعات معظمها محسوب على حركة فتح التي تقف في صف المعارضة. ولهذا، ففشل الحكومة وسقوطها هو فشل وطني فلسطيني، لأن ابجديات العلاقات الوطنية الداخلية تعني ان يواجه الجميع الحصار والتجويع، سواء أكانوا من اتباع الرئاسة أم الحكومة أم المعارضة، اما التعامل مع ما يجري باعتباره مشكلة الحكومة، فهذا منطق يمكن ان يكون في اي مكان إلا في فلسطين، حيث يواجه الجميع الاحتلال والقتل والتجويع.
سياسياً يمكن فهم ايجاد مسافات بين الحكومة والرئاسة والمعارضة، لكن هذا الأمر غير جائز وطنياً، لأنه يمكن للكبار في الجهات الثلاث حل مشكلاتهم، أما من يدفع الثمن فهم عامة الناس المحسوبون على فلسطين، ولا يجوز لأحد ان يقف جانباً ليقول للناس ان سبب هذا هو الخط السياسي لحماس، وأن عدم اعترافها بإسرائيل هو سبب الحصار والعزلة؛ فالاحتلال يمارس عدوانيته في ظل حكومة حماس، تماما كما في ظل حكومات فتح، ورئاسة عرفات وأبو مازن.
حتى الآن لا يبدو المشهد الفلسطيني ايجابياً في التعامل مع الحصار والتجويع، وهناك ابتسامات من اوساط فلسطينية تجاه الواقع، وفرح فصائلي لا يستقيم مع الحس الوطني العام بالأزمة التي تعانيها الحكومة وغرقها منذ ان جاءت بجمع التبرعات لتأمين الرواتب! ولعل هذه الجهات تريد ان تقول لحماس ان معادلات التعامل مع المجتمع الدولي تختلف، وان عليهم دفع ثمن قبولهم في نادي الحكومات. لكن الى ان تصل هذه الرسائل وتقابل بالإيجاب او السلب، فإن المحصلة هي تردي اوضاع الناس وزيادة معاناتهم.
لو لم يكن الامر حرباً على الشعب في رزقه وخبزه لكان مفهوما التنافس، او حتى تصيد المعارضة لأخطاء الحكومة، لكن الحالة الفلسطينية لا ينطبق عليها هذا التعريف، ويفترض ان تقدم مفردات الساحة الفلسطينية للعالم والشعوب العربية والاسلامية نموذجاً متقدماً في مواجهة الحصار، لكن التفرق والتخندق على حساب حق الناس في الحياة يقدم طبقات الحكم والمعارضة في صورة سلبية.
اسرائيل ليست معنية بالمفاوضات، وحماس التي تغرق في مواجهة استحقاقات الحكم لا تمارس السياسة؛ فوزير الخارجية في جولاته يحاول اقناع العرب بمساعدة شعبه، لكن بعض التبرعات التي يحصل عليها تصلح للتبرع لنادي رياضي وليس لشعب يعاني، واذا ما استمر الحال فإن برنامج حماس الذي جاءت من اجله سيتحول الى ارشيف؛ إذ لن تستطيع محاربة الفساد، او تقديم نموذج في الحكم الرشيد، وستبقى قضيتها الاساسية مواجهة الوضع الاقتصادي الذي لن تحل مشكلته بتبرعات "التخجيل"، او عشرات الملايين التي قد تأتي مرة ولا تتكرر ثانية.
اذا فشلت حكومة حماس او سقطت فإن هذا سيكون فشلاً وطنياً فلسطينياً، حتى للقوى التي تساندها لفظياً في الداخل وربما تتمنى لها امراً آخر. وما تفعله المعارضة الفلسطينية في الداخل انها تتعامل كفصيل هزمته الانتخابات ويتمنى فشل من فاز ليعود الى مواقعه، لكن ادارة الامور بعقلية فصائلية او حزبية يتجاوز احياناً القضايا الكبرى والمصالح العليا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة