أسنان لعين الشمس 

 

تتنبأ نظريات العلم الحديث أن إنسان الزمن القادم، ستقل عدد الأسنان في فكيه، وأنه لن تبزغ له أضراس العقل، فهو لم يعد بحاجة لعملها وجهدها، في المضغ أو الخضم أو القضم، فطعام المستقبل سيكون من الليونة بمكان، أن تقوي عليه بضعة أسنان من البولسترين، فإنسان الغابة الأول كان طعامه قاسياً وخشناً؛ ولذا كان بحاجة إلى هذه الأسنان الإضافية.

لكني سأكون مع الطرف الذي لا يوافق العلم في رويته، فأضراس العقل ورغم أنها مزعجة وخارجة عن إطار الفائدة أحياناً، إلا أنها ستظل تبزغ بالفم البشري، ما دام الإنسان على الأرض الساخنة بالمجازر واللامعقول، فما دام هناك ناهشون يقتاتون بلحوم أخوتهم، وطغاة بوغلون بالدم وهم ضاحكون من كل قلوبهم، ستظل تبزغ الأضراس كأنياب الذئب، وما دام هناك من يعضُ على النواجذ (الأضراس) صبراً وتحملاً، فلربما خرجنا من حياة الغابة قاسية الطعام، لكننا بتنا نحيا حياة غابة جديدة، ولهذا لن نكون بغنى عن أضراس العقل مهما لان طعامنا مليناً.

ولأن الإنسان في مجمل مراحل عمره، لا يبعد كثيراً عن طفولته، فمهما أبحر في العمر وعمّر، تبقى لديه مشكلة ظهور أضراس العقل، فكأن الواحد منا لا يبلغ سن الرشد بحق؛ إلا إذا بزغت له هذه الأضراس المزعجة، التي كثيراً ما تنبت معوجة مسببة آلاما لا تحتمل، فهل هذه ضريبة إضافية للرجولة أو أنها ضريبة ابتدائية لمحاولة فهم هذا العالم؟.

عندما كانت تتساقط أسناننا اللبنية، على عتبات الطفولة الأولى، كنا نبكي خوفاً وخشية من أن نظل درداً(أي بلا أسنان)، كأجدادنا المساكين، لكننا كنا نلجأ إلى عين الشمس، فنرمي إليها بسن الحمار، ونتمنى عليها أن تمنحنا أسنان الغزال البيضاء القوية، وكبرنا ومُنحنا أسناناً تقدر على نهش لحم الغزال، لكنها تظل آيلة للنخر والتسوس.

وقريبا من شمس الحقيقة، التي ترينا هذا الكم الهائل من الأضراس المتحفزة للنهش، فالإنسان لا يضحك من كل قلبه، ومن كل عقله، إلا إذا بدت نواجذه، وكذا الإنسان الذي يتألم حد النخاع، لا بدَّ له ويعض على نواجذه؛ لزيادة صبره وتحمله، ولصعوبة هذه المعادلة المشاكسة، فكثيراً ما يهمزني ضرس العقل بألم لا يوصف، فاقرر أن أشلعه من جذوره، فقد لا تحتاج كثيراً من العقل لفهم هذا العالم المجنون مالياً وسياسياً ونفسياً.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية