مشكلة الادارة الاميركية ليست فقط في انها لا تستطيع الدفاع عن صورتها ومواقف الشعوب منها، بل لانها مصرة على ان ما تفعله يحمل خيرا للشعوب المظلومة والمنتهكة حقوقها وسيادتها.
وحين يقتنع القاتل ان ما يفعله لمصلحة المقتول، فهذا يعني اننا امام مشكلة تتجاوز حدود الفعل السيئ، الى عقلية ومنطلقات وفكر وربما عقائد مصابة بالانحراف والتشويه بحيث تتحول الى تطرف وارهاب. ولهذا فأداء الادارة الاميركية ليس مرتبطا بالسياسة وميزان الارباح والخسائر بل بأفكار ومعتقدات، وهذا يفسر الاصرار والتعنت والدفاع المستميت عن الحرب العدوانية على العراق ومساندة الاحتلال الصهيوني في فلسطين، والضغوطات على دول عربية عديدة تحت مبرر الاصلاح وتعميم الديمقراطية.
هذا الفكر المتطرف الذي يقود السياسة الاميركية يفتقد الى ادوات مقنعة، ومثال ذلك الفرح الذي تحدثت به الادارة الاميركية عن نماذج الديمقراطية في المنطقة، ومعايير الشفافية وحقوق الانسان، وهما نموذجا السلطة الفلسطينية والعراق, وكأنها تحاول القول ان الانتخابات في السلطة والعراق تعبير عن الاصلاح الذي تسعى اليه اميركا، وهو استدلال غريب في ظاهره, لكنه في حقيقته تعبير عن فقر في الإنجاز يدفع صاحبه للاستدلال بنماذج مشوهة.
الادارة الاميركية سلبت الشعب العراقي سيادته واستقراره، فتحول الى ساحة للقتل والتفجيرات والاختطاف، وفقد الناس مقومات الحياة، وتم تدمير مؤسسات الدولة، واصبح العراق ورقة سياسية لدول اقليمية ودولية، ثم يقال انه نموذج للديمقراطية لأن العراقيين ذهبوا الى صناديق الاقتراع! انه استغراق في الشكليات والقشور. فمن لا يجد الأمن ولا يملك السيادة ويعيش في ظل الاحتلال هل يكون همه انتخابات في ظل حراسة دبابات جيوش الاحتلال وعلى وقع فوضى امنية تحصد عشرات العراقيين كل يوم؟!
اما النموذج الثاني فهو السلطة الفلسطينية مسلوبة السيادة، التي لا تملك قرار ادخال القمح لمواطنيها، ولا حماية مؤسساتها ولا حتى اعطاء تصريح لاعضاء المجلس التشريعي الذين نعموا بديمقراطية الاحتلال للتنقل من مدينة الى اخرى. وربما سيحتاج رئيس المجلس التشريعي الى تنسيق امني رفيع حتى يسمح له بالانتقال من رام الله الى غزة.
وما يساعد إدارة بوش على التفاخر بهذين النموذجين، حتى وإن رفضت نتائج الانتخابات عند الجانب الفلسطيني، حالة الفرح الطفولي سياسيا الذي يمارسه بعض المستفيدين من هذه العمليات السياسية، فيذهبون الى تمجيد ما جرى ووصفه بعملية ديمقراطية نزيهة شفافة شهد لها العالم؛ في جوانبها دبابات الاحتلال والسيادة الضائعة، وانعدام قدرة الهيئات السياسية في النموذجين على الفعل الحقيقي.
اميركا تحرص على تمجيد هذين النموذجين رغم انها تعاني من التخبط والأزمات، لأنها تريد القول ان وجود دباباتها وجيوش احتلال حليفتها كانت وراء هذه الديمقراطية والنزاهة والشفافية، وتستعمل فرح المستفيدين بالانجازات الوهمية لتسويق خطابها.
لكن السؤال: هل الديمقراطية الاميركية في العراق قادرة على جعل العراقي يأمن على نفسه في بيته والشارع او المدرسة؟ وهل تملك رفاهية صناديق جيوش الاحتلال ان تؤمن الكهرباء والماء والبنزين للعراقيين؟ وهل شفعت كل هذه الديمقراطية للشعب الفلسطيني امام الحصار الاقتصادي والاذلال المقصود للسلطة في عملية سجن اريحا والاغتيالات والقصف واغلاق المعابد وحجب الدواء والغذاء عن الناس؟
اميركا تريدنا ديمقراطيين لكن وفق نموذج قائم على قبول الاحتلال واعتباره نعمة وطريق الجنة، او بديمقراطية تأتي بأتباعها في الدول غير الخاضعة للاحتلال.
واخيرا فإنّ من حسن حظ الضحية ان نتائج انتخابات ووهم السلطة في فلسطين قد حملت الى الحكم من لا تريدهم اميركا ليشاهد الناس انقلاب المحتل على ما كان يسوقه للناس من حديث عن ديمقراطية تفقد قيمتها لمجرد ان تتم بتصاريح المحتل وحماية دباباته.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة