خوازيق لاصقة
في أوج الحصة الثالثة، باغتنا مراسلُ المدرسة المبعوج، وولج الصف بلا استئذان، مُغلقاً الباب بابتسامة تشفٍّ أبرقها لمعلمتنا المتآمرة. ثم فتح الباب لممرضة متجهمة بمريول أبيض، تحمل صندوقاً كرتونياً ترافقها مديرتنا الصارمة. عندها قامت قيامتنا، فأخذنا (نفرخُ) ونقاقي كدجاج مذعور. المديرة أزّت بالعصا وقالت: ستأخذون المطعوم (غصباً) عنكم. الأسبوع الماضي هربتم كقطط يا جبناء.
كنا نخاف الشرطي، والغولة، وإبرة الحكيم، على حد قول الجدات اللواتي كنَّ يخوفننا بها، لنطفئ براكين شيطنتنا. وأكثر ما كنا نخاف تلك الإبرة؛ التي يتطلب نيلها نزع البنطال لممرضة متجهمة كممرضتنا.
ولأنه تسرب إلينا نبأ المطعوم؛ الذي باغت طلاب الصف الرابع المساكين، فأكلوا من الإبر ما تورمت منه البناطيل وتحتها، ولهذا هربنا بعد الفرصة، فسيارة الصحة رابطت بباب الإدارة. وها قد مر أسبوع، ونسينا الإبرة التي لم تنسنا. وها هو المراسل الشرير يتلمظ لنزع من لا ينزع بنطاله وحده، أو لا يستدير للإبرة. وها قد قامت قيامتنا، ولن ينفعنا صراخ وعويل، أو تشبث بالحزام.
بغض النظر عن النصائح التكتيكية، التي يقدمها لنا الممرضون، كأخذ الإبرة وأنت مغمض العينين، أو وأنت تفكر بحدث غريب مرَّ بحياتك، سيبقى أن عشرين بالمائة من الناس مصابون (برهاب الإبرة)، حتى ولو عدها البعض من الناس أمراً تافها لا يستحق أن يذكر.
ولن أنسى الوصية التي حملني إياها صديق حملناه بسيارة الطوارئ، ألا أدعهم يعطونه إبرة، يومها كان علي أن أتحول إلى صخرة صوانية من العناد، في المركز الصحي لأمنعهم من وخزه باية إبرة. ولحد هذا اليوم، ما زال هذا الصديق يعدّ عنادي بطولة تُسرد في السهرات.
أريد أن أقترح جائزة دولية للبروفسور الأسترالي (مارك كيندول) الذي سيجعلنا نرمي الإبر والحقن التقليدية، بعد اختراعه لاصقات خاصة تشبه طابع البريد لإعطاء اللقاحات والأدوية. هذه اللاصقات تتألف من آلاف من النتوءات المغطاة باللقاح، وعند إلصاقها على الجلد يتم إيصال اللقاح إلى الخلايا المستهدفة دون ألم أو شعور.
وحتى لو كنا شعوباً كبرت مع رهاب الخوازيق، ورعبها. خوازيق من كل الجهات، والنكهات والمذاقات: السياسية والاجتماعية والتسعيرية، فلن يعجبني أبداً أن تتحول كل هذه الخوازيق إلى أشرطة لاصقة، تلجم الوجع، وتلغي الرهاب، أو تكمم الأفواه. لا نريدها خوازيق لاصقة، فمن لا يتألم لا يتعلم.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية