صحون متبادلة
جميل هذا الرمضان يعود إلينا سريعاً كطيف، فيردنا إلى مرابع طفولتنا الطازجة. فها نحن نهب إلى المسجد كالحمائم مع أول خشخشة سماعة المئذنة المتحفزة للتكبير، فنصلي جانب الكبار مفتعلين الوقار، بعد أن يفسحوا لنا ويمسدوا على رؤوسنا، وهم الذين كانوا يطردوننا شر طردة في الأيام الخوالي، وها نحن بعد الصلاة نتحلق شيخاً يزبد بالكلام ويطيل؛ فيأخذنا التناعس والتناوم ولي الرقاب، لتبدأ موجة الانسحابات الخفيفة، حتى تفرغ الحلقة
.
وفي عرف طفولتنا العظيم، أن تشرب قليلاً من الماء سهواً في نهار رمضان الطويل، كان لا يضير الصيام بشيء | ، ولهذا كنا نحبها فنتقنها جيداً لعبة التناسي هذه | ، فبعد أن كان العطش يحززنا ويشقق حلوقنا، كنا نهب نتوضأ أكثر من مرة للصلاة الواحدة، ونمعن كثيراً في المضمضة | ، علّ قطرة ماء تنزلق باردة في حلاقيمنا، حتى أن أحد الأشقياء أسرَّ لي، أنه لولا المضمضة؛ لمات عطشاً من أول يوم صيام | .
(مش حتئدر تغمض عنيك | )، هذا شعارهم لرمضان الجديد، فكثيرون هم الذين يتآمرون عليه، ليفرغوه من فحواه، فالطعام واللهو صارا لا يقرنان إلا به، وكل المسلسلات والأفلام لا تنبجس ولا تتناسل إلا على عتباته، حتى صرنا لا نملك وقتاً لنعود فيه إلى أنفسنا، نخلو ونتصومع معها، فنتطهر من أدران زمن موغل في التردي | .
والصحون الفضائية الرابضة على ظهور البيوت، حلت مكان صحون الطعام التي كان يتبادلها الجيران والأهل فيما بينهم، كنوع من المحبة، ولحلول البركة في شهرهم الجليل، بل جعلتنا هذه الصحون اللاقطة جزراً معزولة لا نعرف بعضنا أو نتزاور أو نتراحم، فمن قزم رمضان في نفوسنا؟ | ، ومن جعله مرتعاً للشركات تتنافس فيه على إبعادنا عن لذاذاته ومعناه؟ | .
فلو أغمضنا عيوننا؛ لعدنا إلى مدارج طفولتنا الرخية، نتوسل أمهاتنا بكثير من المسكنة والدموع أن يوقظننا للسحور، ونقسم أيماناً غليظة، أننا سنصوم ولو لحد الظهر | ، ولو أغمضنا عيوننا، سنتذكر صوت المسحراتي العجوز، إذ يجوب الحارات ضارباً على طبله الشجي، مترنماً بالتهاليل والتوحيدات، فيطرق الأبواب والشبابيك، وينادي على كل بيت باسم صاحبه: يا نايم وحد ربك | .
وإن أغمضنا عيوننا، سنعود للوراء بمرح شفيف، وسننعم بلقاء أصدقائنا الأشقياء، فتعن عل بالنا لحظة كنا نتهامس لنخطط للهرب بعد الركعة الرابعة، من صلاة التراويح؛ لنلهو ونراكض ظلالنا الخافتة بين الأزقة المبتلة بالأضواء | .
إن أغمضنا عيوننا المغناطيسية، سنتذكر رائحة الغروب، والشمس تصير بطيئة زاحفة كسلحفاة، فنصعد إلى أسطح البيوت، نرصد وداعها الأحمر، وننتظر بفارغ الجوع صوت المؤذن طويل الروح، وسنذكر شقيقنا النزق كيف يهمهم بشتائم لا تليق بالصائمين الجدد | .
جميل هذا الرمضان يعيدني طفلاً يستذكر أحلامه التي تبقيه على قيد الفرح.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |