اينما ذهبت في مؤسسات الإعلام العربي الرسمي فستجد في معظمها خطابا موحدا، يتحدث بإشادة ومديح عن قدرات حكومة هذا البلد او ذاك، وخبرتها ورشدها وحكمتها. وفي مواسم السياسة العربية، مثل مؤتمرات القمة وغيرها، نسمع في كل ساحة اعجاباً بالدور الكبير لكل بلد، وثقل هذا البلد او ذاك في العمل الدولي والعربي. ولو اغمض المشاهد عينيه، وتنقل من تلفزيون عربي الى آخر مستمعا الى وصف كل دولة لنفسها لاعتقد انه في بلد واحد! ولو كان غير مطلع على واقع الأمة، لتوقع انه يستمع إلى حديث عن دول عظمى تحكم العالم، او على الأقل خالية من المشكلات، يلجأ اليها العالم لحل مشكلاته ونزاعاته، وليست دول امة تمزقها الكوارث، ويعبث الاحتلال بأرضها ومقدراتها!
كل حكومات الامة حكيمة وصاحبة قدرات غير مسبوقة في السياسة والادارة، هكذا تصور كل دولة نفسها، لكن السؤال: اذا كنا نملك كل هذه المعجزات والكفاءات التي لا تحظى بها امم الارض الاخرى، فلماذا نعاني كعرب مما نعاني من مشكلات متراكمة، وكوارث متتالية، وعجز حتى عن عقد قمة عربية مؤثرة، او حتى على الأقل تأمين حضور كامل لهذه اللقاءات؟!
حكمة عربية متدفقة، لكن بلدان امتنا غارقة في المشكلات الداخلية، اقتصادياً وسياسياً، وقمعاً وفساداً، فأين ومتى سيستخدم النظام العربي ما لديه من عبقرية ورشد، وادوار مركزية وحضور اذا كان عاجزاً عن اصلاح مجتمعاته الصغيرة؟!
كل هذه المدائح في اعلامنا العربي، لكن ماذا لو كان لدينا قائد عربي حقق لبلاده ما حققه الرئيس بوش من هيمنة على العالم، وتحكم بالسياسة الدولية والبترول، فماذا سنقول عن مثل هذا الحاكم؟ وكيف سنكافئه؟ وما هي الأوصاف التي "سنصرفها" له؟ فنحن نشاهد دولاً معزولة دولياً، غارقة في القمع، واقتصادها قائم على هيمنة فئات ومحسوبية، ومع ذلك فقائدها يحظى بكل الاوصاف الكبيرة، من حكمة وقيادة وعبقرية، وينال من التصفيق اكثر مما ينال اهل الفن والرياضة! فكيف الحال لو كان منتصراً، ومحرراً لأرضه، ومنصفاً لشعبه؟!
شارون الذي كان مقاتلاً وقائداً، ثم سياسياً متعصباً اميناً على مبادئ الصهيونية وفكرها العدواني؛ إذ حقق لكيان الاحتلال انتصارات عسكرية، فاحتل لبنان وطارد منظمة التحرير حتى اوصلها الى تونس، وقتل الكثير من رموز المقاومة، كما امتلك رؤية سياسية وبدأ بتنفيذها، لكننا لم نسمع له مديحاً من اعلام حكومته او من الناس مثل ما يحظى به بعض قادة النظام العربي، رغم ان هؤلاء لم يحققوا لشعوبهم بعضاً مما حققه شارون لكيان الاحتلال، وها هو يرقد في غيبوبة في المستشفى ولا يكاد يذكره احد، ولم نسمع عن دوره المحوري، وحكمته، وعبقريته، مثلما نسمع في ارجاء عالمنا العربي!
كلنا عباقرة، وكلنا حكماء واصحاب قدرات قيادية هائلة، لكن واقع الامة غير ذلك؛ وربما يكون العيب في المواطن العربي والواقع العربي، او لربما أن الامة لا تستحق عبقرية حكوماتها وقدراتها غير العادية!
 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة