ذاكرتنا جميعا تقول إن فكرة الأقاليم قد دخلت عامها الثاني منذ أن بدأت اللجنة التي تشكلت لتحويل الفكرة إلى صيغة تفصيلية، ومن ثم إعادة بناء التشريعات التي تجعل من فكرة الأقاليم جزءا أساسياً من بناء الدولة.
ومن حيث المبدأ فإن جوهر الأمر ايجابي، والهدف زيادة مشاركة الأردنيين في صناعة القرار التنموي عبر الترشيح والانتخابات لمجالس الأقاليم التي ستعطى صلاحيات في وضع الخطط والبرامج والأولويات، وهذا يمكن أن يكون طريقا للتخلص من فكرة المناطق المظلومة، أو وسيلة لأن نلغي من الجغرافيا الأردنية تلك الصور المأساوية لمناطق نكتشفها ونتعرف إلى فقرها في القرن الحادي والعشرين.
ما يهمنا أن الأفكار التي يتم طرحها، وتعطى في لحظاتها الأولى اهتماما وتسويقا وترويجاً ومديحا، هذه الأفكار تتحول إلى ذاكرة، ويتوقف نمو مسارها بعد حين. ففكرة الأقاليم ذهبت إلى اللجنة التي ضمت عدداً من رجالات الدولة وهم من الخبراء في الإدارة الأردنية، وأنهت عملها رغم تحفظ بعض اعضائها أو ربما الانسحاب العملي من عضويتها، وذهبت التوصيات إلى السلطة التنفيذية، وهي الآن ملك لجنة حكومية.
هذا المسار يعطي الأمر وضعا طبيعيا، فالفكرة ذهبت إلى لجنة ثم إلى الحكومة، والآن هناك لجنة حكومية رفيعة تقوم بدراسة التوصيات، لكن هل يحتاج الأمر - حتى الآن- أكثر من عام وقد يصل الأمر إلى عامين حتى تتم عمليات تجسيد هذه الفكرة التنموية الادارية. وقد نصل إلى مرحلة يجري البحث فيها عن اعذار لمزيد من التأجيل والتسويف من قبل الحكومات. وإذا كان هناك قناعة لدى البعض بعدم ضرورة أو جدوى فكرة الأقاليم فليقل ذلك، واذا كان الأمر يحتاج إلى جهد كبير؛ فلماذا تتم حصر الأمور برئيس الحكومة باعتباره رئيسا للجنة الحكومية؟
في كثير من الأحيان تبدأ الأفكار لدينا بحماس وتسويق وتقارير اعلامية وتصريحات سياسية وتحريض على المديح والإشادة، لكننا نبدأ جميعاً بعد ذلك بالتمهل وممارسة الحكمة والتسويف. حتى من أخفوا تحفظاتهم يؤجلون هذا الى مراحل لاحقة، لكن هذه التحفظات تتحول إلى إعاقات وتباطؤ وربما تشكيك، وهكذا فإن هذا مخزون تجربة يشير بأن علينا أن نتمهل كثيرا عند استقبال الأفكار الجديدة. فالحماس في بداياتها ليس دليلاً على أنها ستسير بشكل طبيعي.
وما بين هيئة الأردن أولاً إلى الأجندة ولجنة الأقاليم وأفكار أخرى تجربة مريرة لكنها ثرية! فكثير مما نسمعه ونقرؤه ليس معياراً أو دليلاً على أننا أمام تحولات سياسية أو تنموية، وحتى لو رأينا فيها شيئاً جديداً وجوهراً ايجابياً، فإن الصمت يجب أن يستمر الى حين الوصول الى نهايات المسارات وعمل اللجان.
المفارقة أن التباطؤ أو التعطيل والإعاقة لا تأتي من قبل الناس بل من قوى في مراكز صنع القرار، فلجنة الأقاليم شهدت في داخلها اختلافات وانسحابات عملية، واعضاؤها رجالات دولة، وليست خلطا من المعارضة او القوى الأخرى مع هذه الشخصيات. وعندما ذهبت التوصيات الى الحكومة دخلت في مسار اللجان، وحتى لو توفرت القناعة فإن الوقت والانشغال وتتابع العمل اليوم يجعل من هذه الأفكار تأخذ اولوية متأخرة.
نتذكر أيضا التسويق غير العادي الذي رافق ظهور لجنة "الأجندة الوطنية"، وكان الحديث الناقد أمراً يجلب العتب، وبعد الانتهاء تحولت إلى "آراء لمجموعة من الأردنيين"، وليست كما كان يقال بأنها استراتيجية الدولة للسنوات العشر القادمة، بل وسمعنا نقدا لها فيه تقليل من شأنها من قبل أطراف رسمية عديدة، وهكذا فمن أسرف في المديح والتسويق تحول إلى طرف مخطئ.
تعاملنا مع الأفكار الجديدة أشبه بالرغوة التي لا تعبر عن الحجم الحقيقي، فمن يراها يعتقد أنها طوفان لكن ما أن تهدأ الرغوة حتى نكتشف ما هو أمامنا! لهذا على من هم خارج السلطة التنفيذية أن يتوقفوا عن التقييم على أساس الرغوة، فلم يعد ضروريا المزيد من (المقالب) التنموية والسياسية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة