ماذا تريد حكومة الاحتلال الاسرائيلي اكثر مما يجري في شوارع غزة، حيث استقواء الاشقاء على بعضهم بعضا، وسقوط الجرحى، والرعب الذي اكتظت به هذه الشوارع على مرأى من عيون الناس بسبب تزاحم حملة الاسلحة، بغض النظر عن أسمائهم؛ شرطة، او قوة مساندة، او ميليشيات فصائل؛ فالعبرة في النتائج؟!
ما يجري من تنازع اخذ طابعاً عسكرياً، استخدم فيه المتنازعون السلاح، فسالت دماء الفلسطينيين بسلاح فلسطيني! وما يجري اهدر كل احاديث السياسيين عن الوحدة الوطنية وحرمة الدم الفلسطيني؛ فلم تبق اي حرمة للدم بعدما سال خلال الايام الاخيرة، وقبل أسابيع عندما سقط قتلى في اشتباكات بين ميليشيات الحكومة وميليشيات الرئاسة والمعارضة. ولهذا، فحرمة الدم ذهبت وتم هدرها، وما يراه العالم من مشاهد استقواء الفلسطيني على اخيه يحول الانظار عن جرائم الاحتلال وحصاره الظالم، الذي حرم الفلسطينيين من حقهم في الطعام والحياة.
ورغم العدالة المطلقة لقضية فلسطين وضمنها حصار الناس وقطع موارد ارزاقهم، الا ان مشاهد الاقتتال تظهر السلطة والحكومة والفصائل وكأنها جميعاً تمارس الترف! فالمال متوفر، لكن ليس لاطعام الناس، بل لشراء الاسلحة والذخائر، وانفاقها في الشوارع عبر الاقتتال، فأي روح مسؤولة يتحلى بها الجميع؟! واي احساس بجوع الناس ومعاناتهم لدى من يبحثون عن سلطة وهمية تتنازع عليها الحكومة والرئاسة؟! فسواء كانت قوات الأمن تتبع الرئيس او الحكومة، فهل تستطيع ان تحمي الفلسطينيين من قصف طائرات الاحتلال او الاغتيالات، او أن تؤمن لقادة السلطة حق العبور من غزة الى الضفة دون اذن الاحتلال وموافقة جيشه؟!
يتنازع حملة السلاح على من يحكم شارع غزة، لكنهم يوجهون رسالة سلبية إلى العالم المتعاطف مع الشعب الفلسطيني؛ إذ تخيلوا اسرة تعاني من فقر ومرض وجوع، بينما يقتتل الاب و الام على من يحمل مفتاح البيت، او قفل الثلاجة الخاوية! فاي تعاطف يمكن هدره نتيجة هذه الممارسات التي تتنافى مع اولويات القضية الفلسطينية.
كلهم يحملون السلاح، ويظهرون على شاشات التلفزيون اشداء، لكنهم جميعاً أيضا منحوا جيش الاحتلال هدنة وهدوءاً؛ فالسلاح متفرغ للاطلاق نحو الاشقاء، وليثبت كل طرف انه صاحب القرار، فيما الجميع لا يملك قراراً حقيقياً! فاسرائيل يمكنها منع الرئيس محمود عباس من الذهاب الى غزة، فيما رئيس الحكومة اسماعيل هنية او وزير داخليته لا يمكنهما زيارة مواطنيهما في رام الله وجنين، لان اسرائيل تمنعهما! والمجلس التشريعي يعقد عبر الفيديو والستالايت! فعلى ماذا تسيل الدماء وتتبعثر الاولويات، ويساهم الجميع في اظهار الوضع الفلسطيني عابثاً يترك الاحتلال بحجة الهدنة والحفاظ على مصالح الشعب الفلسطيني، بينما لا تظهر هذه المصلحة عندما يستقوي حملة الاسلحة من الطرفين على بعضهم بعضا، ويستعرضون مهاراتهم في اطلاق النار ولبس الاقنعة، لكن على حساب الدم الفلسطيني؟!
قد يقول البعض ان هناك طرفا يتحمل المسؤولية، وان المرجع هو الدستور والقانون، وهذا صحيح لو كان الامر حديثا سياسيا، لكن عندما تسيل الدماء، وتنتهك حرمة الدم الفلسطيني، وتصبح الاولوية فرض سيادة الاخ على اخيه، وكلاهما تحت سيطرة الاحتلال، فعندئذ تكون المسؤولية على الجميع، واولاً على صاحب العقل والحكمة.
يا فرحة اسرائيل التي تفعل كل ما تريد، من بناء جدار الفصل العنصري وتقسيم الضفة الى كانتونات، إلى القتل والاعتقالات، فماذا تريد اكثر من تحول السلاح الفلسطيني من برنامح المقاومة الى النزاع على السلطة في الشوارع! وبعد ذلك نتساءل: لماذا تضيع الحقوق وتحقق اسرائيل كل ما تريد؟!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة