التصريح الصحافي الصادر عن جماعة الإخوان، الأول من أمس، نتيجة لقاء وفد من قيادتهم مع رئيس الوزراء ومدير المخابرات ووزير الداخلية، يعبّر عن روح وطنية تاريخية مسؤولة تضع مصالح الوطن وأمنه فوق كل اعتبار، وتمثّل تأكيداً على مسيرة الجماعة التاريخية البيضاء. التصريح جاء ملخّصا وموضحاً أيضا لبيان الإخوان السابق بعنوان: "هذا بيانٌ للناس"، وفحوى الإعلان الإخواني الأخير: القبول الفكري الحاسم بالديمقراطية والتعددية والثوابت الوطنية ونبذ الفكر التكفيري والإرهاب والعنف، وتقديم مصلحة الأردن على مصلحة أي طرفٍ آخر ورفض الإساءة لشهداء الفنادق، هذه المواقف الواضحة الناصعة لا تبقي أية علامة استفهام، أثيرت في الآونة الأخيرة، على خطاب الجماعة ونواياها.
من الخطأ اختزال تدهور العلاقة بين المؤسسة الرسمية و"الإخوان" في قضية زيارة النواب الأربعة وتداعياتها، التي فجرت المشكلات ونقلتها إلى مستوى متقدم، فالعلاقة بين الطرفين دخلت في حالة الأزمة منذ سنوات بفعل ديناميكية"الفوضى" وعدم التوافق على قواعد جديدة للعلاقة وضعف قنوات التواصل السياسي، بعد انهيار شروط التحالف التاريخي الذي أدى إلى تلاقي الطرفين في مرحلة الحرب الباردة. ثم جاء انتصار حماس، وبعض الالتباسات في مواقف الإخوان، ليؤجج الهاجس الأمني والسياسي لدى تيار واسع في المؤسسة الرسمية وخارجها ويدفع بعلامات الاستفهام المكبوتة إلى العلن، في المقابل فإن الجماعة التي أصبحت تمثل حركة كبيرة ممتدة، متفردة في الساحة الشعبية لا يمكنها كبت طموح أبنائها المشروع والموضوعي بإعادة هيكلة دورها السياسي والحصول على تمثيل أكبر تستحقه في مؤسسة البرلمان ومؤسسات مدنية أخرى كالجامعات والبلديات والأندية..الخ.
كان لا بدّ، إذن، من قنوات واسعة من الحوار بين الطرفين، قنوات تؤدي إلى صفقة تاريخية جديدة وتوافق على قواعد اللعبة السياسية وحدود دور الجماعة ومساهمتها في مسيرة الإصلاح. وهذا لا يعني الاتفاق مع الحكومة على سياساتها بل الاتفاق على السقف الأردني، للخطاب والممارسة الإخوانية، هذا السقف يحكم كلاًّ من الحكومة والقوى السياسية ويخضع أولاً لثوابت الدولة ومصالحها الوطنية وثانياً لقراءة موضوعية للواقع والشروط التي تحكم صنع السياسات العامة. وما عرفته من بعض القيادات الإسلامية أنها خرجت مرتاحة للقاء مع رئيس الوزراء وأنه تم الاتفاق على لقاءات أخرى، بل أرى ضرورة وجود لقاءات وحوارات مكثفة بين الطرفين تؤدي إلى قراءة مشتركة للواقع السياسي وإشكالاته والقواعد التي تحكم مسار العلاقة بينهما.
كثيرون راهنوا على طلاق بين المؤسسة الرسمية والإخوان مستندين إلى معطيات واقعية ملخّصها انهيار شروط التحالف بين الطرفين واتساع شقة الخلاف، لكن ما غاب عن هؤلاء هو أنّ "نموذجاً" متميزاً قام فوق شروط التحالف وتجاوزها، أقوى منها، يتمثل بالعلاقة السلمية الملفتة بين المؤسسة الرسمية والإسلاميين والقدرة على إدماج الإسلام السياسي في اللعبة السياسية واستثمار أدوراه المختلفة والمتعددة كصمام أمان.
ثمة محددان رئيسان يؤكدان على أنّ العلاقة بين المؤسسة الرسمية والإخوان لا بد أن تكون إيجابية وفاعلة:
الأول؛ أنّ التيار الإسلامي قوة صاعدة في العالم العربي والإسلامي وحقيقة على أرض الواقع لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها، والصدام معها مكلف كثيراً، كما علّمتنا التجارب العربية. هذا التيار يحظى بنفوذ شعبي كبير، وله وجهان: إمّا سياسي مشروع يقبل باللعبة السياسية والقنوات القانونية والأدوات السلمية مبدئياً ويمتلك حدا أدنى من الخطاب المعتدل، وإمّا راديكالي ثوري يرفض التغيير السلمي ويتبنى خيار المواجهة مع الحكومات ورؤى فكرية وسياسية متشددة. والقاعدة الذهبية - في هذا السياق- أننا أمام حتمية التعامل مع أحد هذين الوجهين، وأنّ كل تضييق على نشاط التيار الإسلامي المشروع فوق الأرض يدفع بقوته وزخمه إلى تحت الأرض، وإلى أعمال غير مشروعة، فالتحدي الحقيقي هو منح التيار الإسلامي الفرصة للعمل المشروع والهواء النقي واستيعابه في النظام السياسي والثقافي العام.
الثاني؛ أنّ "الإخوان" حسموا موقفهم بوضوح في اختيار الطريق الديمقراطي والسلمي، وهو ما أكدته بياناتهم الأخيرة ومبادرة الإصلاح، بل مسيرتهم الطويلة. وهو ما يتطلب منهم تكييف خطابهم وممارستهم السياسية بالكلية لتنسجم مع استحقاقات العمل السياسي الديمقراطي. فالفجوة الكبيرة مع السياسات الرسمية والمواقف السياسية المتشددة للإخوان لا تخدم أجندة العمل الوطني ومسار الإصلاح، الأمر الذي يدفع الحركة الإسلامية إلى عقلنة مطالبها السياسية والوصول بدرجة أكبر إلى حزب برامجي يقدم رؤى واقعية وعملية في مواجهة المشكلات السياسية والاقتصادية.
ما سبق يفرض وجود صيغة واضحة من العلاقة بين الإخوان كحركة اجتماعية لها ثوابتها التي تعبر عن قيم الأمة وأخلاقها وضمير المجتمع، والتي لا تتغير بتغير الظروف السياسية، وبين جبهة العمل الإسلامي التي يتطلب عملها قدراً كبيراً من المرونة والبراغماتية وإدراك شروط الحياة السياسية. فلا بديل عن الفصل بين عمل الحزب(السياسي) والإخوان (الدعوي والاجتماعي) على غرار نموذج العدالة والتنمية المغربي الذي يعمل في السياق السياسي برؤية مرنة براغماتية واضحة، في حين يترك العمل الدعوي والفقهي لحركة الإصلاح والتوحيد التي تشكل رافعة الحزب الاجتماعية.
في المحصلة؛ تتمثل الخيوط العامة في تجديد العلاقة بين المؤسسة الرسمية والإخوان بـ: عزل اللعبة السياسية عن الاستقطابات الإقليمية والتركيز على المعضلات الوطنية، وتعريف دور الحركة الإسلامية وتطويره لتمثل تياراً وطنياً إسلامياً مدنياً- ديمقراطياً يتحلى بقدر كبير من البراغماتية والواقعية السياسية، ضمن ثوابت الحركة الدينية والفكرية، ما يتضمن استعادة الدور التنويري للحركة في مواجهة الفهم المتطرف والمتشنج للدين، وبناء خطاب فكري يحفز على التحديث والتطوير الاقتصادي والتعليمي والسياسي، وإجراء مراجعة داخلية سعياً إلى تطوير الحركة لتتلاءم مع المرحلة الجديدة.
في المقابل مطلوب أن تمنح المؤسسة الرسمية الفرصة الوافرة للإخوان للقيام بالدور المطلوب ومساعدة الحكومة على مواجهة التحديات المختلفة، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية ومنح النوافذ الوطنية لعمل الجماعة ودورها.
بالتأكيد لن نصل إلى هذه المعادلة بين ليلة وضحاها، لكن مع مرور الوقت وتقوية جسور التفاهم والتواصل يمكن أن تمثل العلاقة بين المؤسسة الرسمية والإخوان رافعة حقيقية للحياة السياسية ولمسار الإصلاح واستحقاقاته.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد