أيام الخير كان العراقيون مولعين بلعبة (المحيبيس) في ليالي رمضان، وهي لعبة شعبية غاية في الروعة والإدهاش والترقب، وكلمة المحيبيس هي تصغير لمحبس، والذي هو الفتخة، أو الخاتم بلا حجر، وتعتمد اللعبة على الفراسة والذهن المتقد واللماحية، واللعبة تكون بين فريقين يقوم الأول بإخفاء الخاتم أو المحبس في قبضة أحد أعضاء الفريق، بطريقة سرية، ثم يأتي دور الفريق الثاني، فينبري منه رجل مهمته إخراج المحبس من مخبئه.
تعتمد اللعبة على تصفح الوجوه واستقراء الهيئة وملاحظة التغيرات التي تطرأ على مخفي الخاتم، وكم كانت دهشتي عظيمة في إحدى المباريات التي شهدتها عندما أخرج أحد اللاعبين الخاتم من بين أكثر من مئة رجل من المرة الأولى
| . ولعبة المحيبيس تشبه لعبة شعبية أردنية ما زالت تلعب في بعض قرانا وأريافنا، هي لعبة الصينية، حيث يخبئ الفريق الأول الخاتم تحت فنجان مقلوب ضمن عشرة فناجين تكون على الصينية، ومهمة الفريق الخصم إخراج الخاتم، بأقل عدد من المحاولات، بعد تصفح واستقراء وجه اللاعب الذي أخفى الخاتم.
الفراسة في اللغة العربية تعني ذهناً سريع الاستدلال من المعلوم على المجهول، دون وسط، واشتهر العرب بالفراسة التي كانت تسمى القيافة، حتى قبل أن تصلهم مؤلفات اليونان التي تعني بهذا العلم، الذي يسمى (الفيزيوجنومونيا)، والفراسة من الألفاظ الصوفية الشائعة، وهي عند الحنابلة وسيلة مشروعة للكشف عن الجرائم، وتتفق مع مقولة الإمام علي كرم الله وجه: من لم ينتفع بشكه لم ينتفع بيقينه.
تذكرت لعبة المحيبيس وشجونها ولذاذتها وجوهرها عقب تقرير أمني أحمر أفاد بأن شهر تموز قد حصد المئات من الأرواح في سيارات مفخخة، وهجمات إرهابية كان آخرها الهجوم على سجن أبي غريب وتحرير مجرمين خطرين، لا بد لهم أن يعودوا أكثر دموية وعنفا لنحر البلد من جديد.
العراق صفعته حرب لا مثيل لها، وما زالت تصفعه، ولهذا بات السلام هو المحبس المفقود فيه، ولا ندري بأي قبضة من القبضات يختفي هذا المحبس. وكل فراسات العالم لن تحزر في أي قبضة يختفي ويختبئ، هل هو في قبضة أمريكا، التي اعتدت على العراق واحتلته ومزقته، أم في قبضة الطائفية، أم في القبضة الإيرانية، أم في قبضة القاعدة؟ | , أم في قبضة الشيطان. فهل ستعود أيها المحبس المفقود؛ ليعود ويتعافى العراق: الله كريم | .
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |