(خـر بـرفت) 

 

قال الدكتور صائب عريقات عن كتابه الصادر قبل بضعة أعوام (الحياة مفاوضات): إنه الكتاب مخصص لبيان العوامل المشتركة للسلوك التفاوضي الإنساني، وكيفية تفادي حدوث صراع، ومحاولة الحد منه، وكيف نعد للمفاوضات؟، ومن أي المتطلبات نبدأ؟، وكيف نتصرف أثناء المفاوضات، وخلالها وبعدها، وأن المفاوضات حاجة، وليست ضرورة فقط.

مع وافر احترامي لأكاديمية المؤلف المرموق، إلا أني أعتقد أن هذا الكتاب الجميل والأنيق و(المتعوب عليه)، قد يكون صالحاً كمنهاج تفاوضي مع كل الكائنات البرية والبحرية والبرمائية والهوائية واللاهوائية واللافقاريات ومتعددة الأرجل وعديمة الرئات، ولكنه لا يصلح ابداً مع عدو غشوم لا يفهم إلا لغة القوة، وأنه إن فاوض لا يفواض، إلا من أجل التفاوض وتزجية الوقت فقط، بدليل الثمار اليانعة التي حصل عليها المؤلف نفسه، بعد ما يزيد عن العقدين من التفاوض المضحك المبكي.

وبمناسبة الجولة الجديدة من المفاوضات مع هذا الكيان التي ستنطلق في واشنطن، تخطر في بالي قصة رواها مولانا الشاعر الصوفي العظيم جلال الدين الرومي، في كتابه (المثنوي)، من أن بعض اللصوص اتخذوا مكاناً قصياً، لينالوا شيئاً من الراحة، بعد نهار حافل بالسرقات والمكتسبات وسمل جيوب الناس، وبعد أن أضرموا ناراً كبيرة، لاح لهم رجل مسن، يركب حماراً فارهاً، يريد المدينة، التي أغلقت أبوابها، فرحبوا به وقدموا له شواء وشراباً، وطلبوا منه أن يتسامر معهم، حتى الصباح، بعد أن اضمروا أن يكون حماره أول غنيمة لهم في يومهم التالي.

مع زيادة وتيرة الطرب أخذت النشوة الرجل شيئا فشيئاً، فرقص معهم وغنى، وكانوا يرددون عبارة (خر برفت، خرب برفت)، وهي جملة من اللغة الفارسية تعني طار الحمار طار الحمار، والرجل كان يردد معهم العبارة دون أن يعرف معناها، وكلما أوغلوا بالطرب زادوه شيئاً من الشراب، حتى صار كالخرقة البالية، ملقى على وجهه، فانسحبوا بعد أن سرقوه مرددين: خر برفت.

صحا الرجل في اليوم التالي على نار هامدة، محاولاً تذكرالعبارة التي ظل يرددها مع اللصوص طوال الليل، لكنه لم يفلح إلا في التأكد من شيء واحد، وهو أنه أصبح بلا حمار. فكم تطير أشياء وأشياء في دنيا المفاوضات؟؟.

ليس من يجرب المجرب عقله (مخرب) فقط، بل من يعيد التجربة بذات الطريقة، ويتوقع نتائج مختلفة. لقد جربتم المفاوضات أكثر من عشرين سنة، وماذا كانت النتيجة؟. إنه خض الماء، ونشر النشارة. فقولوا للأمريكان: ارجعوا إلى أرشيف التفاوض، فكل ما يمكن أن يقال قد قيل، وكل ما يكمن أن يؤخذ من العدو الإسرائيل قد أخذ. أو قولوا لهم بلسان ذلق: خر برفت.

 

بقلم رمزي الغزوي 


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية