خلال العامين الأخيرين، لجأت الدولة للتعبير عن إحساسها بمعاناة الناس الاقتصادية الى صرف مبالغ مالية لمرة واحدة بمكرمات ملكية كانت خمسين دينارا، وقبل ايام قدم جلالة الملك ستين دينارا هدية للعاملين والمتقاعدين في اجهزة الدولة بمناسبة عيد الاستقلال.
بعد وقت قصير جدا من اعلان المكرمة الملكية، استقبلت على الهاتف رسالة من احد الموظفين من محافظة بعيدة يسأل: "هل سيستفيد متقاعدو الضمان الاجتماعي من الهدية الملكية؟". وهذه الرسالة جزء من التداعيات التي يتركها الاعلان عن صرف هذه المبالغ؛ ففي المجالس المتخمة بالموظفين والعسكريين، العاملين والمتقاعدين، يبدأ الحديث عن "خطط" لصرف هذا المبلغ، وما بين بداية السهرة ونهايتها يكون حجم الاقتراحات والافكار يحتاج الى 1000 دينار وليس 50 او 60 دينارا!
هذه الاضافة المالية قد تجلب الصداع للبعض؛ إذ يحتار، مثلا، هل يدفعها قسطا لشراء تلفزيون بدل جهازه المنهك؟! واخر قد يجدها هدية من السماء لتغطية مناسبات الصيف، من أعراس ونتائج جامعات وتوجيهي وغيرها! وهناك من  تنتابه "نوبة" كرم، فيتبرع بالزيادة لزوجته لتشتري ملابس لنفسها، لكنه يتراجع عن "خريطة الطريق" هذه عندما يتسلم المبلغ، ويبحث عن المبررات لاقناع زوجته انه تهور، وان قراره الاول كان "طيش شباب"، ويشكو لها سوء الحال والديون والالتزامات، حتى ينتزع منها تنازلا عن مال لم تتسلمه، لكنها تبقى "تعايره" على مواقفه طيلة العمر، ليكتشف بعد حين ان ما دفعه من سمعته اكبر بكثير من ستين او خمسين دينارا!
المشكلة عندما تكون الزوجة هي المستفيدة من الهدية؛ إذ يضطر الازواج من العاملين في القطاع الخاص الى انفاق ايام طويلة من المجاملة و"المداراة" واظهار حسن النوايا، لعل الزوجة تتنازل عن هذا المبلغ للمجهود "الحربي" ومصروف البيت. ولعل الاعلان عن صرف الهدية الملكية في نهاية حزيران المقبل سيكلف هؤلاء الازواج شهرا من المجاملة وضبط النفس، والصبر على مواسم النكد، وربما يدفع بعضهم الثمن باهظا من سيادته او ما تبقى منها، لعله يضيف الى مصروف شهر تموز 60 دينارا، لكنه امر غير مضمون؛ قد تطرأ تقلبات ليلة صرف الرواتب، او تفتعل الزوجة حربا اهلية، فيضيع جهد شهر من السياسة!
واحيانا تكون هذه المبالغ الاضافية عبئا ماليا على الاسرة؛ فقد تكون هناك مشاريع مؤجلة، استطاع الزوج ان يقنع زوجته انه لا يملك القدرة على القيام بها، لكن هذا المبلغ يفتح على الزوج ابواب "النق" من الزوجة او الاولاد، ويبدأ الحوار والنقاش. وكثير من الازواج لا يملك الصمود، على قاعدة "اتقاء الشر"، فيوقع على فكرة المشروع، سواء أكانت "طراشة" البيت او تغيير ثلاجة فقدت الكثير من اسمها واقتربت من وظائف الخزانة. واذا كان الزوج محظوظا ووضعه من البؤس ما يستدر عطف زوجته، فان المشروع يكون شراء ملابس، بما فيها عدد من "الجرابات" لتحل محل القماش المثقوب الذي ينتحل صفة "الجرابات" ويجبر صاحبه على ارتداء حذائه في كل مكان، وتجنب الصلاة في المسجد.
منذ الاعلان عن الهدية الملكية تكرر المشهد الذي رافق صرف المبالغ السابقة؛ فالحوارات الجادة او لغايات قضاء الوقت تناقش اوجه صرف هذا المبلغ الاضافي، وعلى لسان البعض دعاء الى الله تعالى ان لا تتكرر تجارب آخرين حينما استيقظوا يوما على مواسير المياه وقد اصابها عطل، فاحتاجت نصف المبلغ الاضافي لاصلاحها! او تعطلت الغسالة من دون سابق إنذار، وغيرها من المفاجآت التي تحول اي موظف او متقاعد في القطاع العام ليكون مثلنا نحن ابناء القطاع الخاص! فمثل هذه المفاجآت المحزنة تحول كل النقاش حول صرف المبلغ الى ما يشبه قصة "احلام اليقظة"، عندما كسر الحالم جرة السمن التي بنى عليها احلامه ببناء اسرة وامتلاك مصدر رزق.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة