العلاقة بين السلطة التنفيذية والحركة الاسلامية تعاني مأزقا وتوتراً يمكن اختزاله بوصف "أزمة ثقة". وبعيداً عن المواقف فإنّ التحليل الذي يمكن فهمه من الاحاديث الرسمية يقول بأنّ مصدر الازمة -في الفترة الاخيرة- يتمثل بقناعة الجهات الرسمية بأنّ جزءا من مفاصل الحركة يرتبط عضويا او حتى يتبع لقيادة حماس في الخارج الموجودة في دمشق، وأن هذه القيادة تعمل على استغلال الساحة الاردنية واختطاف جزء من الحركة الاسلامية لتعزيز نفوذها.
وتعتقد أوساط رسمية أنّ الخط الهاتفي الدولي مع دمشق هو مشكلة الحركة الاسلامية او بعضها، وربما لم تكن ازمة الاسلحة المهربة تعبيرا عن هذه القناعات، بل سبقتها قضية تعيين الأمين العام للحزب. هذه القناعة الرسمية قد تقبلها قيادة الحركة او ترفضها، لكن العبرة في ايجاد مخرج لأزمة الثقة والانتقال من مرحلة التوتر الى ما بعدها من انفراج.
القراءة المباشرة لبعض ما يرشح من مواقف رسمية رفيعة ان آفاق الانفراج قادمة، وأن تواصلا قريبا وحوارات ولقاءات مباشرة ستشهدها الفترة القريبة، بما قد يؤدي إلى عرض الآراء ومناقشة المعطيات والوقائع والخروج بتفاهم يحافظ على العلاقة التاريخية الايجابية بين مؤسسة الحكم والحركة، والانتقال من مرحلة التراشق الاعلامي الى التفاهم، فالهدف المفترض: تجفيف منابع التوتر والحفاظ على الاسس السليمة للعلاقة.
أزمة الثقة تتمثل بممارسات ومواقف بعض أوساط الحركة الاسلامية، يصاحبه قناعة ان لدى الحركة جهات قيادية تمثل الاعتدال، لكن العلاقة المطلوبة يفترض ان تكون مع الموقف العام للحركة، ولا أظن ان هنالك ضرورة للاختلاف حول الهوية الاردنية للحركة الاسلامية، فهذه من البديهيات التي يجب ان تدعمها الممارسات وتتجاوزها الشكوك.
بالمناسبة، هنالك شخصية اخوانية تمثل الرقم الاول في الحركة ظلمتها تداعيات المرحلة، وهو المراقب العام للاخوان سالم الفلاحات الذي يمتلك روحا مسؤولة وحسا وطنيا عاليا، وهو من ذات المدرسة والقناعات التي قادت الحركة في العقود الماضية في عهد الاستاذين محمد عبدالرحمن خليفة وعبدالمجيد الذنيبات، لكن هذا الشخص واجهته أزمات منذ لحظة انتخابه لهذا الموقع؛ من أزمة جمعية المركز الاسلامي والتحقيق في مسارها، وقضية انتخاب الامين العام للحزب، وأخيرا قضية الاسلحة الاخيرة. لهذا فهذه الشخصية لم تأخذ وقتا لتقدم نفسها للحكم وللرأي العام كمضمون سياسي وفكري، ولعل البعض نسي او غاب عنه ان المراقب العام للجماعة هو المرجع للحركة جماعة وحزبا. فلم يعد سرا القول ان الحزب أداة سياسية للجماعة وليس جسما منفصلاً، ولهذا فالعنوان الرسمي للحركة هو المراقب العام الذي يمكن معه الحوار ومناقشة القضايا والوصول الى تفاهمات.
واذا كانت مؤسسة الحكم تقدر للأستاذ عبدالمجيد ذنيبات مواقفه وحكمته واعتداله واحساسه العالي بالوطن وهمومه وأولوياته، فإنّ المراقب العام الجديد سالم الفلاحات -وهو المرجعية القيادية لكل اجزاء الحركة- يحمل ذات النهج، ولعل بعض ما يرشح من الاوساط الرسمية يحمل آفقا للحوار وقناعة بالمواقف الايجابية للمراقب العام الجديد المنسجمة مع الخط التاريخي للجماعة، هذا الخط الذي صنع مع حكمة القيادة نموذجا أردنيا راشداً، ووقفت الجماعة خلال تلك العقود عونا للاستقرار الوطني منذ عام 1957 مرورا بمحطات 1970، 1988، 1991، 1996، 1998 وغيرها من المراحل التي لم تتردد الجماعة في الانحياز لخيار أمن الاردن واستقراره.
واذا تحدثنا عن حوار قادم لنزع فتيل التوتر، فإنّ المطلوب مناقشة كل السياسات والمواقف سواء من الحكومة أو الحركة، وكل من لديه أي تجاوز او سياسة غير منسجمة مع القانون ومصلحة الاردن فعليه اصلاح مساره، ففي داخل الوطن الواحد دائما الهدف الوصول الى الحق وليس الصراع او ممارسة عض الاصابع.
منذ سنوات طويلة تشهد ساحتنا الاردنية نقاشا لم يحسم بعد حول الهوية الوطنية للاحزاب والتنظيمات وأولوياتها التي يجب ان تبدأ من الاردن بما لا يتعارض مع احساسنا وواجبنا تجاه قضايا العرب والمسلمين، وهذا الجدل ليس خاصا بحزب دون آخر، ولعل المشكلة الاساسية التي حافظت على العلاقة غير السليمة بين كثير من الاحزاب والسلطة التنفيذية قناعة الاخيرة ان هذه الاحزاب تحمل هويات وتبعية لغير وطنها، بينما الاحزاب تنفي وتؤكد التزامها بالدستور، لكن حلاً حقيقياً لم يتم وتعمقت أزمة الثقة التي شملت خلال السنوات الاخيرة علاقة الدولة مع الحركة الاسلامية.
نتوقع الانفراج والحوار الصريح فهو الحل، ودائما الاردن ومصالحه هاجسنا جميعا أحزابا وحكومات.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة