حين كانت شريعة الغاب تسود حيّز بني الإنسان بكل شراستها وأنيابها ومخالبها، كان هناك ما يعرف بالخاوة، وهي مبلغ مالي، أو عدد من المواشي، أو كمية من الحبوب والمزروعات، يدفعها الضعيف الذي لا حول له ولا قوة، ولا ظهر يحميه -عن يد- للقوي ذي الظهر العريض والمخالب الطوال، لأجل الدخول في حمايته ورعايته.

ولربما جاءت الخاوة من كلمة الأخ أو الأخوة، أي أن الضعيف يؤاخي بها القوي، ويأمن بطشه مع أن الأخوة الصادقة لا تنبني على فرق القوة، ولهذا لم تكن الخاوة إلا دليلاً ناصع الحقيقة على الإذلال وصوره، ولا تقرأ حتى بكبير حروفها، إلا أنها ضريبة عجز لا أكثر، ولذلك حين كان بعض الضعفاء يدفعون الخاوات للأقوياء؛ من أجل مؤاخاة مضحكة وهشة، كان هذا لا يحميهم، بل يقودهم لمزيد من المهانات.

وكان من المؤلم في تلك الصورة أن معشر الأقوياء قد يختلفون فيما بينهم في كل شيء، وعلى أي شيء، إلا أنهم كانوا يتفقون ويتوافقون على أن ينهب كل زعيم أخ الزعيم الآخر، فبدلاً من أن يرد هذا الزعيم على بطش المعتدي مباشرة، كان يهاجم الضعيف الذي دخل في خاوة خصمه، وهكذا فالكبار دائماً لا يخسرون شيئاً، بل الثمن يدفعه الضعفاء الموهومون بنظرية الخاوة.

وإذا قلبنا الصفحة، ستتساوى هذه الفكرة مع نظرية الحجر والإبريق الشهيرة، فالمواطن البسيط هو الذي يدفع ثمن أخطاء أطراف السوق وإرهاصاتها وتقلباتها، وثمن سياسات لم تتسم بالحكمة والرشاد، بل دائماً عليه أن يتحمل نكساتها وكبواتها، فالإبريق الفخاري سينكسر إذا سقط على الحجر، وهو أيضا سينكسر ويتهشم إذا سقط عليه الحجر؛ فالضعيف في الحالين، سيتشظى وتندق عنقه، ويلعن سلسفيل أبيه.

فقير هذه الأيام المضنوك بين مطرقة وسندان، لا تنطبق عليه نظرية الإبريق والحجر، بل سرت عليه شريعة الخاوة بطريقة أو بأخرى، فسعار الأسعار يحاصره ويشعطه ويشلوطه، ومع أنه دخل في خاوة كبرى، كي تحمية وينال مؤاخاتها، إلا أنه لن يسلم من البطش من جهاته الخمس، فمسكين أنت أيها الإبريق/ الفقير.


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية