الحكومة الفلسطينية المنتخبة تواجه قائمة من المراهنين، بل ربما العاملين على افشالها وفشلها. وهي قائمة تختلط فيها فئات الاصدقاء والاعداء؛ بعضهم يعبر عن مواقفه، وآخرون يمارسون امنياتهم بطرقهم الخاصة.
اسرائيل والادارة الاميركية أهم الخصوم المعلنين، لكن خصومتهم مشروطة؛ فهم يتمنون بقاء الحكومة بشرط ان تذهب الى مسار التفاوض والاعتراف بإسرائيل وحقها في الوجود. فوجود حكومة تقودها حماس تعترف بإسرائيل وتفاوضها اهم من حكومة تقودها فتح، لان هذا يعني إحداث تغيير في بنية الشارع الفلسطيني والعربي، وازالة احد مسارات ادارة الصراع وفق منطق صراع الوجود وليس الحدود.
ومن الخصوم ايضا، الفصائل التي خسرت الانتخابات التشريعية، والتي تريد ان تصل الامور ليس إلى حد فشل الحكومة فحسب، بل سقوط خيار حماس لدى الشعب الفلسطيني؛ والمدخل السليم هو الاقتصاد وحياة الناس ومصالحهم. فالناس قد يؤمنون بحماس سياسيا او كتيار مقاوم، لكن المطلوب ان لا تكون خيارهم في الحكم والادارة والسياسة الداخلية. لهذا، فالرهان على قدرة الحكومة على رعاية المصالح الحياتية للناس، وتوفير الامن لهم، وازالة الفوضى والفلتان الامني.
وهذا المعسكر ليس معنيا بأن تعترف الحكومة الفلسطينية بإسرائيل او ان تفاوضها، بل في ان يبقى المسار باتجاه تشكيل قناعات لدى الناس بان حكم حماس لا يحمل الا التضييق المالي والمعيشي، كما انه لا يملك الوصفة القادرة على معالجة الفساد والفلتان الامني وفوضى السلاح، وتقديم ما وعدت به من حكم رشيد. وهكذا، تراهن هذه الفئة من الخصوم على غرق الحكومة في المشكلات اليومية، وتأمين الرواتب، ومعالجة الخلل الامني والاقتتال الداخلي والحصار. وما تم خلال الاشهر الماضية اختزل الحكومة، بل القضية الفلسطينية الى جمع تبرعات، وزيارات لتأمين بعض المبالغ، او لإقناع البنوك العربية والفلسطينية بتحويل الاموال الى مناطق السلطة!
كذلك، من الخصوم من يرون في نجاح الحكومة الفلسطينية تكريسا لزعامة ذات امتداد سياسي وشعبي في الداخل لحركة حماس، بحيث تكون هذه القيادة هي العنوان. فلو استطاع اسماعيل هنية ان يقدم أنموذجا في العمل والسياسة، ويتجاوز بحكومته الصعوبات، ويبني علاقات دولية وعربية معقولة، لتحول الى العنوان الحقيقي ليس لحماس فقط بل للحكومة وربما السلطة. ولولا الحصار والتضييق والمشكلات الداخلية المتراكمة، لاستطاع ان يستخدم مكانته في تحقيق هذا. لكن كلما غرقت حكومته في المشكلات الحقيقية، او التي تصنعها الادارة السلبية حتى من الاصدقاء، فشل في التحول الى عنوان فلسطيني، ومرجعية فلسطينية ودولية لحركة حماس.
ويرى البعض في فشل الحكومة درسا للشعوب بأن لا تمارس خيارات تعود عليها بالتضييق. ولهذا، فهي ليست معنية مباشرة بفشل الحكومة، لكنها تتمنى على الشعوب ان تتعظ وتتعلم من تجارب غيرها.
واذا عدنا الى اسرائيل، فان في داخلها رأيا يعتقد ان اسرائيل خسرت في معركتها مع الحكومة الفلسطينية، إذ يقول جدعون ليفي في صحيفة هآرتس بتاريخ 14/5/2006: "هذه كانت حفلة تنكرية قصيرة جدا، وما ان مر شهران او ثلاثة حتى انتهت حفلة مقاطعة السلطة الفلسطينية. هذه كانت ايضا حفلة تنكرية حمقاء بصورة استثنائية. بإمكان حماس ان تلوح الان بإنجازها الهام: اسرائيل والعالم خضعوا من دون شروط، والاموال ستعود الى التدفق على المناطق". ويضيف: "ما الذي كسبته اسرائيل من هذه اللعبة؟ لا شيء سوى الخسارة، والخسارة وحدها".
انه شعور اسرائيلي ان الحكومة الفلسطينية تجاوزت بعض الحواجز، وهذا يجعل خصومها يعيدون التفكير في آليات خصومتهم. والطريف ان يتفق اكثر من خندق، صديق وعدو، على عرقلة عمل الحكومة وإعلان فشلها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة