السياسات الخاطئة او غير المكتملة تصنع الفقر، وتتحول الى خط انتاج فاعل تنقل من خلاله اعدادا وفئات الى صفوف الفقراء، او تكرس فقر الفقراء. وهنا لا نتحدث عن فقر الاشخاص، وانما فقر البيئات والمناطق الذي يجعل من ضعف بنية تلك المجتمعات وفقرها حالة دائمة.
ما تفعله السياسات الآن لا يحل المشكلة، فجزء كبير مما يقدم ليس اكثر من وظائف من حراس ومراسلين وموظفي مياومة وفئة رابعة. وتتوزع هذه الوظائف حسب الواسطات وجهد النواب والمعارف، يضاف الى هؤلاء حصة كل محافظة من التعيينات السنوية، حسب كشوفات ديوان الخدمة، في التربية والصحة وغيرها من الوزارات.
لكن هذا الشكل الروتيني من الوظائف يجذر من حالة الفقر، ويحدد بشكل واضح مستويات الدخل. فمن يبدأ حياته في وظيفة ما سيبقى طوال عمره ينتظر زيادة خمسة دنانير على راتبه، او هدية مالية بخمسين دينارا.
الحل الحقيقي يكمن عبر تنمية حقيقية للمحافظات التي ظلمتها الحكومات عبر العقود الماضية، ثم حاولنا الاستدراك عبر بعض الافكار التي توفر فرص عمل لكنها ليست اكثر من تكرار لوظائف عمال المياومة، ولدينا الآن محافظات تفتقر الى تنمية اقتصادية حقيقية. أمّا ما فعلته الحكومات من بناء بعض المدن الصناعية التي توفر فرص عمل فإنّ مستويات الدخل لا تتجاوز خطوط الفقر. حتى بعض المحافظات التي شهدت احداثا غير طبيعية لم تجد الحكومات سبيلا لتنميتها الا بمنح شبابها فرص التجنيد في القوات المسلحة والدفاع المدني، وهذا وان كان يعبر عن نوايا حسنة، الا انه يؤكد غياب مسار تنموي حقيقي في محافظاتنا المختلفة.
وحتى الفكرة التي ظهرت حول الاقاليم كإطار تنموي يعطي دفعة للامركزية في ادارة عملية التنمية في المحافظات، فإنها تلاشت عمليا، وان كانت نظريا تحت عمل لجان الحكومة. فالافكار التنموية تهدرها السياسة ومخاوفها وحساباتها، وحتى عندما طرحت فكرة الدور التنموي للحاكم الاداري فإنها لم تكتمل، ودخل تطبيقها واجهاضها في اطار التنافس بين مراكز القوى من اهل السياسة.
وظائف الفئة الرابعة وعمال المياومة، وتوزيع المساعدات العينية وحملات البر والاحسان، وما فعلته حكومات عبر النواب من توزيع شيكات مساعدات، كل هذا جزء من صناعة الفقر وتحويله الى مؤسسة. فالمساعدات لا تحل مشكلات حتى وان صنعت فرجاً مؤقتاً، فالمطلوب حلول بنيوية في عملية تنمية حقيقية دائمة وليست موسمية للمحافظات، بحيث لا يتحول ابناء المحافظات كما هو الحال الى زبائن للوظائف الصغيرة او عناوين دائمة لحملات الصدقات وتوزيع المساعدات.
من يقرأ الصحف يجد الكثير عن مشاريع استثمارية في عمان والعقبة بمئات الملايين، لكن الصورة الاخرى ان محافظاتنا الاخرى او معظمها تخلو الا من مشاريع الخدمات من مستشفيات ومراكز صحية ومدارس ومدن رياضية. وحتى الآن لم تتحرك الحكومات نحو المحافظات بمنهجية واضحة وعمل مستمر، واحيانا لا تحصل بعض المناطق الفقيرة على اكثر من زيارات تفقدية وجولات ينتهي مفعولها بعد فترات قصيرة.
لم يعد نواب المحافظات قادرين على اداء دور في زيادة تنمية محافظاتهم، فقد استدرجهم فقر الناس الى الركض بين الوزارات لتأمين وظائف فئة رابعة وعمال مياومة، وحمل استدعاءات ناخبيهم لطلب مساعدة لطالبة فقيرة او ارملة. وكل ما نتحدث به في بيانات الحكومة وخطابات النواب امنيات او قصص تكررت عاما بعد عام.
اذا استمر الحال على ما هو عليه فإننا نصنع الفقر بأنفسنا ونكرس مشكلاتنا، وقد يأتي وقت لا يمكن فيه استدراك ما جرى ويجري.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة