السادة النواب يسألون دائماً "ما لكم علينا" اي: لماذا ينتقدهم الإعلام والناس، وكأن السادة النواب لا يعلمون أنّ السبب يكمن في ادائهم واولوياتهم.
الناس قد تكون غير موضوعية، مثلاً، اذا طالبت النواب باسقاط حكومة، لكنها ليست كذلك حين تطالب النواب ان يمارسوا موضوعية في التعامل مع المال العام، ولعل ما يثير هذا الموضوع التقرير الذي نشرت "الغد" امس بعض محتوياته، وهو تقرير اصدره المجلس وليس جهات معادية او حسّاد، وهذا التقرير يفرض علينا تذكر بعض ما مضى.
لمن لم يطلعوا على تفاصيل التقرير؛ فإن 3 نواب فقط هم الذين لم يسافروا على حساب المجلس، وهم: عبد الرحيم ملحس, ابراهيم العطيوي وعبد الحفيظ الحيت. لكن الارقام تقول مثلاً ان نواب المجلس الذين سيكملون خلال اسبوعين ثلاث سنوات قد قضوا (3505) ليال خارج الاردن، علماً بأن الثلاث سنوات كاملة تضم اقل من (1100) ليلة، اي قضوا ثلاثة اضعاف ليالي السنوات الثلاث، لأنّ وفودهم كبيرة واسفارهم كذلك. وكل ليلة سفر تعني اقامة في فندق ومياومات وتذاكر، وكل هذا من المال العام اي من موازنة مجلس النواب التي تأتي من الخزينة، وليس من القطاع الخاص او من جيوب النواب.
ما يلفت الانتباه ان احد النواب سافر (62) يوماً او ليلة إلى البرازيل، بلجيكا التي زارها سبع مرات، اضافة الى مصر والمغرب والبرتغال وتونس. فهل بلجيكا التي زارها النائب سبع مرات لنا فيها - كدولة- استثمارات تحتاج الى متابعة ورقابة نيابية؟ فحتى رامسفيلد الذي تحتل بلاده العراق منذ (3) سنوات لم يزر العراق سبع مرات لتفقد جيوشه.
السادة النواب شكلوا خلال السنوات الثلاث وفوداً الى (58) دولة، اما وفود العام الماضي فبلغت (70) وفداً اي بمعدل (6) وفود كل شهر، فليسألوا القطاع الخاص ورجال الاعمال وحتى وزير الخارجية هل يسافر(6) وفود كل شهر؟ وكأن النواب هم من يديرون الدولة! فرئيس الوزراء الذي جاء الى الحكومة منذ تشرين الثاني من العام الماضي لم يسافر كبعض النواب. وربما بعض النواب، بسبب تكرار الزيارات، مثل زيارات بلجيكا، عرفوا دولاً اكثر من مناطقهم الانتخابية.
اما موازنة السفر للعام الماضي، كما ذكر التقرير، فقد شهدت عجزاً بلغ حوالي (400) الف دينار تم اخذها من موازنة العام الذي سبقه. لهذا انفق النواب مليون دينار على الوفود، بما فيها المياومات التي اخذها نائبان دون ان يسافرا، فمن يجد له حقاً في اخذ مال عام دون حق وينفقه في عمان؛ فكيف نطلب منه مكافحة الفساد؟! والمجلس الذي يسافر بهذه الكثافة لا ينظر الى التكاليف وليس معنياً بمعاناة الاردنيين حتى لو اغرقونا بالخطابات والبيانات.
واذا كان هذا حال النواب فإن جزءاً من موظفي المجلس، يبدو انهم المحظوظون فهم (20) موظفاً بلغت كلفة سفرهم خلال العام الماضي حوالي (36) الف دينار. ويقول التقرير ان اعلى سلفة صرفها المجلس خلال العام الماضي كانت للوفد الذي زار الفلبين الذي ضم (11) عضواً منهم (4) موظفين وبلغت حوالي (21) الف دينار، والسلفة غير المياومات وتذاكر السفر، اما الوفد الذي سافر الى نيويورك وضم (7) اعضاء منهم (3) موظفين وكان برئاسة رئيس المجلس فكانت سلفته (20) الف دينار، هذا غير المياومات والتذاكر.
المشكلة هي في العقلية التي يتعامل بها النواب مع الموقع على قاعدة: الكسب ما امكن من مال الدولة. ويذكرنا هذا بالمعركة الطويلة التي خاضها المـجـلـس للحصـول علـى سيـارات (BMW) كسيارات وظيفية على حساب الخزينة، وبعد النقد الشعبي لهم، الذي ترافق مع رفع الاسعار، اكتفى السادة النواب بشرائها على حسابهم الخاص، لكن بأسعار تفضيلية، وبعضهم اشترى بالسعر الخاص وباعها بسعر السوق وربح الفرق، واعتبروا هذه الآلاف حقاً من حقوقهم، بينما الناس تتزاحم على ابواب البريد للحصول على دنانير قليلة تعويضاً عن المحروقات.
المشكلة الأخرى أن الوفود الضخمة لا تعني ان النواب يهلكون انفسهم في النقاشات والحوارات، فبعضهم قد لا يحضر الا جلسة الافتتاح، وربما ذهبوا الى رحلات سفاري في دول افريقية، فالسفر سياحة لكن بوفود رسمية وبمال الدولة. فالتقشف لغة لا يفهمها النواب، والسفر مارسه الجميع بمن فيهم الذين يتحدثون للناس بلغة، وعند السفر والوفود والمياومات يتحولون الى لغة المكاسب التي تسمى لديهم حقوقاً نيابية.
"لماذا ينتقدوننا؟"؛ سؤال على النواب ان يسألوا انفسهم عنه، وعند فتح ملف الاداء النيابي سنجد الإجابة واضحة!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة