أحيانا يفضل المرء عدم الكتابة في بعض القضايا تجنبا للخندقة والتصنيفات، وخوفا من ان يختار البعض من الكلام جزءا ويترك الآخر، ومنها القضية التي تتفاعل الآن بين الاخوان المسلمين والاوساط الرسمية وأخرى شعبية على خلفية اعتقال النواب الذين زاروا بيت عزاء الزرقاوي.
وقبل ان ندخل في التفاصيل فإنّ هذه القضية كان يمكن احتواؤها منذ بداياتها عبر تصريح رسمي من قيادة الاخوان يهدئ الامور ويوضحها. ولم يكن الامر يحتاج أكثر مما سمعه عدد من الكتاب في لقاء قبل أيام قليلة مع قيادة الجماعة والحزب؛ حينها قال نائب المراقب العام ان الامر ممارسة فردية، ولا تعبر عن موقف الجماعة، وخلال اللقاء اقترحت ان تصدر الجماعة او الحزب تصريحا توضيحيا تجنبا للتضخيم وتفاقم الامر وتحوله الى أزمة.
واذا عدنا الى القواعد الاساسية، فاننا نملك الخطوط التالية:
1- اننا في الاردن لا نختلف على حق المقاومة للمحتل في فلسطين والعراق وأي مكان يدخله المحتل، حتى عندما اختلف بعض أهل فلسطين على ان من يقتل في عمليات التفجير استشهادي ام انتحاري حافظ الخطاب الاردني لدى كل الفئات على انها عمليات استشهادية على الاقل من الناحية السياسية.
2- ونتفق او يُفترض ان نتفق على أن أمن الاردن وسيادته ودماء ابنائه وحرمة مؤسساته الرسمية والشعبية ثابت من ثوابت الدين والسياسة، او كما يصفها الخطاب الاسلامي بأن أمن الاردن عبادة، وهذا الموقف للاسلاميين كان واضحا من خلال عمليات تفجير الفنادق، بل ان قيادة الحركة دانت عمليات نيويورك عام 2001 وما جرى في لندن اضافة الى قتل الشيعة وتدمير الحسينيات في العراق.
اذن نحن أمام توافق نظري كامل، لكن عندما يكون الامر على الساحة الاردنية ومرتبطا بأمن الناس فهنا نحتاج الى فقه الموازنات، وهذا الذي لم ينجح به البعض لهذا كانت الازمة. فزيارة بيت العزاء ليست اضافة نوعية للعمل الاسلامي، وواجب العزاء الشرعي الذي برر به احد النواب الزيارة يمكن تعويضه بزيارة موتى آخرين، فطبيعة الحدث سياسية بامتياز.
وربما غاب عن البعض ان الحركة الاسلامية لا تحتاج الى مزيد من الخصوم وعمليات التحريض، ولا تنقصها المعارك الجانبية، وحتى لو افترضنا ان هناك قناعة بزيارة التعزية فإنّ المصلحة المباشرة في تجنب الازمات كانت تقتضي "تفويت ادنى المصلحتين لصالح اعلاهما".
وربما كان على البعض ان ينتبه الى ان المشكلة التي تتفاقم ليست مع الحكومة، بل مع فئات شعبية من أهالي ضحايا تفجيرات عمان. فأحدنا لا يفتح التلفزيون او الراديو اذا كان لدى جاره حالة وفاة؛ فكيف بالأمر مع مواطنين فقدوا اهاليهم في تفجيرات ادانها الاخوان ورفضها كل العالم.
القصة ليست خلافا على شرعية مقاومة الاحتلال، او اوصاف المجاهدين، لكن الامر اعتُبر لدى البعض بمثابة اختبار لموقف فكري للإسلاميين فيما يتعلق بالعمليات الارهابية.
دائما، يُقال ان لكل عمل أرضية واجواء سياسية، لهذا فالزيارة والتصريحات قد يراها البعض أمر عادي، وقد يراها آخرون غير ذلك، لكن كان على اهل الحكمة - في الإخوان- ان يقرأوا الامر سياسيا وشعبيا وفكريا، وبخاصة في مرحلة تعيش فيها الحركة اجواء توتر وأزمة في علاقاتها الرسمية، ولعل البعض قرأ خيطاً من القصة وقال ان الزرقاوي قاتل اميركا فالتعزية به واجبة، ونسي الجزء الخطير المرتبط بتفجيرات عمان ولهذا وقع الخطأ.
تاريخ الاسلاميين كان دائما ضد العنف، والادانة واضحة لما جرى في عمان وغيرها، لكن المحافظة على هذا الموقف تحتاج الى خطوات واضحة لتفويت الفرصة على الفهم الخاطئ، فأمن الاردن لا يقل في مكانته عن رفض الاحتلال وحق المقاومة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة