كلاب الشعيـر 

 

على النقيض من القطط. فكلبكم الوفي يحب من تحبون، ويعادي من تعادون، ولهذا قد يدخل لأجلكم قتالاً مريراً مع كلب الجيران، ولربما يفقد أذناً أو ناباً في خضم تلك المعركة، وربما يتنكر لكلبتهم (أم جرائه) ويهجرها، وأحياناً يدْهم في غفلة منهم خمّ الدجاج؛ ليفتك بالصيصان ويدمر البيض، وكثيراً ما يغافلهم رافعاً رجله فوق حوض نعناعهم، متمنياً لهم شاياً معطراً.

لكن إذا صدف وتشاجرتم مع جيرانكم، فما أسرع أن يتخلى عنكم قطكم الانتهازي، الذي ترعرع و(تربرب) عمراً في أحضان دفئكم، والذي طالما كان بؤرة عنايتكم ومحبتكم ودلالكم، فتراه عقب المشاجرة الساخنة يتسلل على رؤوس أصابعه من شق الباب، يلوذ بمنزلهم مشمشماً قتار طعامهم، متلوياً بين أقدامهم، ومتمسحاً بثياب حنانهم، وقد ينبش قمامتهم، ويمصمص بقايا العظام، وربما يداعب قطتهم، ويتقرّب إليها بمواءات طويلة.

والكلاب لا تكون دوماً على ما نشتهي، فقد تبلى بكلب أكول كسول، يتبع فيء الشجرة ويدور مع ظلها، باسطاً ذراعيه بالخدر، لا يهش ولا ينش، إذا نهرته قام متثاقلاً، فهو بالكاد ينفث نباحاً لا يرهب دجاجة خرقاء، وإذا ما أوغل في الخمول، فترى القطط الصغيرة تتلاعب به، وتتقافز عن ظهره بمرح، وتجرؤ وتعضعض ذيله الأعوج.

وقد تتبدل الأشياء إلا ذيل الكلب، فسيظل معقوفاً كمنجل، ويدور كمروحة دوراناً نشازاً ليذب الذباب والحشرات، وقد فكّر أحدهم ذات مرة أن يقوّم اعوجاج ذيل الكلب؛ فصمم له قالباً مستقيماً كمسطرة، ثم صبّ عليه (الجبس)، وظل مكبوساً به أربعين يوماً، وعندما كسر القالب، انعقف الذيل.

وبعيداً عن عوج الذيل، فالحصان روحه بذيله، فهو سيموت حتماً إذا ما قطعتم ذيله، وبالكاد كان يؤخذ منه بعض الشعرات المتينة؛ لصنع وتر للربابة؛ تثير فينا براكين الشجن والحنين، ويحدث غالباً أن تقود حصانك المدلل بزمامه إلى النهر، وتصفر له؛ فيشرب إذا أراد ويصهل، لكنك أبداً لن تجبره أن يأكل الشعير الملوث برائحة الكلاب.

فعادة ما كان يوضع الشعير(أخو القمح) النظيف النقي، في ماعون خشبي ذي أرجل يسمّى (المذود)، وكثيراً ما يغافلنا الكلب قافزاً في هذا المذود متمتعاً بكسله، هانئاً براحته، ورغم أنه لا يأكل الشعير، ولا يتذوقه، لكنه سيجبر الحصان على البقاء بعيداً بعيداً.

وآهٍ من زمن تموت فيه الأحصنة على قارعة الجوع.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور