أيلول الطـري
رغم شبح حرب تلوح بأفقنا، وبلطجة طاغية علا في العتو، ورغم ما تتوعدنا به الأيام من شياط أسعار، وفلتان بالمعايير، ورغم أن العلم الحديث يتوقع تغيراً في الطقس وازدياد بالاحتباس الحراري، وندرة في المطر، إلا أن للفلاحين بوصلتهم التي لا تكترث لهذه المؤشرات
.
فالفلاح لا يرمي تفاؤله حتى في أحلك الظروف، ويستبشر بشهر أيلول، ويتلقف إشاراته الناعمة، ونسماته التي تنقي الأجوء من غبار آب، ففي عرفنا الدارج أن لأيلول ذيلاَ مبلولاً، وها هو يجيء هذه السنة برأس معمم بالغيوم التي تقبل وجه الأرض، وتثير فينا اشتياقاً مبكراً لروح المطر.
يجيء أيلولنا طريُّ الرأس، رغم يباسة رأس هذا العالم، فيجعلنا نقرأ الأشياء بعيون أخرى، وقلب آخر. وسيلفتنا (الغُصلان)، وهو نبات بري من الفصيلة البصلية، يكثر في المناطق الجبلية يعطي أوراقاً خضراء سميكة أواخر الشتاء.
فمع بواكير كل أيلول يبدأ الناس بمراقبة الأرض، فإذا بزغت عصي الغُصلان أو ما يسميها أجدادنا (زنابيط الرّي)، فهذه إشارة بشرى بأن أمامنا موسماً مفعماً بالخير، والمطر، والري الغزير. وبالأمس كنت أجول في بعض الأحراش، فسرني هذا الغصلان الجريء، وقد طرح عصي بشراه، وشق يباس الأرض مؤذناُ بموسم خير | .
الغُصلان يجعلنا نتذكر كيف كنّا نلعب كقطط بين شواهد القبور، وكيف كنا نسرق ما تيسر من ماء الجرار؛ لنجبل طيناً ونشيّد قصوراً قرب قبر صغير، وكيف كنا نتراكض مطاردين خيالاتنا الهاربة منا، لكننا نهاب جلال الموت، فلا نجلس على طرف قبر، ولا نمسّ شاهدة: فالقبور كانت تصادقنا ونصادقها | | .
عندما كان الغصلان يخرج زنابيطه كرؤوس الأفاعي، من بين تراب القبور، وينوّر نواره الأبيض، كنا نعتقد أن بذوره الصغيرة السوداء، إذا ما زرعت في الحواكير، فقد تنبت الأموات، وتعيدهم إلينا، ولهذا كثيراً ما كنت أقطفها عن قبور قديمة، وأزرعها في حوش الدار، منتظراً أوبة الغائبين | .
وتذكرت جدي يتوضأ قبل الغروب، بذات الإبريق الأزرق منزوع الأذن، ثم يمسد رأسي بيديه المبلولتين، ليراضيني بعد عقاب أمي الساخن، جزاء ثيابي الملطخة طيناً | ، وكم كان يؤلمني أن جدي لم يعد بعد أن زرعت بذوره، أكثر من مرة، لكن ما يجعلني أنتشي فرحاً أنني كلما مررت بقبره، ووجدت الغصلان ينمو عليه وحواليه، أقف بخشوع دامع، وأقرأ الفاتحة متمنياً مطراً مدراراً للناس، والحياة | .
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور
login |