النفخ قبل السلخ
عندما تنقرُ بالوناً برأس دبوس، فسيحاول الهواء المحبوس بداخله أن يهرب بسرعة كبيرة، وكردة فعل على هذا الخروج غير المتوقع، من قبل السيد البالون، فسينكمش جداره حول الثقب محاولاً حفظ هوائه مما يؤدي إلى تمزقه بالكامل، بطرفة عين أو أدنى، متحولاً إلى شرذمات مطاطية تتقاذفها صفحات التراب. أما لماذا يكون الإنفجار مدوياً؟
، فلأن خروج الهواء يتم بسرعة أكبر من سرعة الصوت | .
لن أتعب رؤوسكم بفيزياء البالونات، وفرقعاتها برؤوس الدبابيس الواخزة، ولن أقيم جدار صوت تم اختراقه بسرعة كبيرة، فهذا سيحدث دوياً يشلع القلوب، كدوي طائرة الكونكورد المحالة على التقاعد. ولكني بعد مشاهدة مقابلة بشار الأسد الأخيرة مع شبكة (سي.بي.إس(، لمحت تشابهاً جوهرياً بين الطغاة والبالونات. فكل طاغية بالون، والعكس ليس صحيحاً بالطبع، احتراماً للبالونات التي تفرح أطفالاً، ولا تيتمهم، أو تخنقهم بالسارين.
فما من طاغية، إلا وقد نفخه وهم كبير، وضخّمه على نحو مضحك مربك، وجعله أضعاف مضاعفة حجمه الطبيعي. والأهم أن البالوات لا ينفع معها لين ورقة، إن أردت أن تنال منها وتفجرها، فكلما ضغطت عليه سيهرب منك، ويغير شكلها. وكذلكم الطغاة، الذين يغيرون شكلهم بالضغوطات. ولا شيء ينفع مع الطرفين: البالون والطاغية، إلا شكة الدبوس، أو لسعة مسمار.
في عالم الجزارة والجزارين، وفي عرف السياسة والسياسيين أيضاً، أن تكتيك (النفخ قبل السلخ)، هو استراتيجية لا تترك، ولا تُنسى، في حال من الأحوال، فبعد ذبح الشاة أو العنزة يُحدث الجزارُ شقاً برأس السكين خلال جلدها من طرف العرقوب (أعلى قدمها)، ويبدأ بالنفخ فيه بملء فمه، بعد أن يأخذ أنفاساً عميقة، مرة تلو المرة (الآن باتت تستخدم في المسالخ نافخات الهواء الكهربائية لهذا الغرض)، وبعد أن يدخل الهواء بين الجلد واللحم، يتضخم حجم الشاة، ولكن الجزار لا يريد هذا الحجم الزائف، فهو لن يزيد بالشحم أو اللحم. وإنما كان النفخُ تسهيلاً للسلخ.
من يستعرض صور التاريخ، يجد أن الطغاة لا ينفخون أنفسهم بهواء الوهم والخيال فقط، بل ينفهخم من حولهم. فما من طاغية إلا وفيه هواء من أنفاس بطانته، وزبانيته، وشبيحته، الذين جمّلوا له حماقاته، وزينوا جرائمه، وقلبوا الباطل له حقاً، والحق باطلاً. ولو استطعت أن تجمع الهواء الناتج عن انفجار طاغية بالون؛ فستجد هواء من أنفاس أعدائه وأصدقائه أيضاً. فمن مصلحة الجميع أن يكون النفخ كبيراً، كي يكون السلخ أسهل.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور
login |