بيل غيتس احد اكبر اغنياء العالم؛ شاب اسس شركة مايكروسوفت المتخصصة بالكمبيوتر، ولديه من الثروة والنفوذ والشهرة ما يفوق بعض الدول وليس الشخصيات. ربما يكون سبب ذلك رضى والدين! او انه محصلة ثقافة ومسار مجتمعات تؤمن بالانتاج، وتعرف الحضارة كما وصفها ابن خلدون: عقل يفكر ويد تنتج، وليس كما نفهمها: استيراد واستهلاك. وهذا هو الفرق الذي يجعل فردا من تلك المجتمعات يتجاوز انتاج دول من امتنا.
يقول الخبر ان بيل غيتس صاحب المليارات او العشرات منها سيتخلى في العام 2008 عن مهامه التنفيذية في شركته ليتفرغ للعمل الخيري، وشركته ليست شركة مقاولات او مصنع احذية او معمل بوظة، بل استثمارات بالمليارات، لكن هذا الشخص سيعتزل العمل التنفيذي وسيكتفي بالاشراف من بعيد متفرغا للاعمال الخيرية، اي سيوجه قدراته ونفوذه وماله لاعمال الخير، سواء في مجتمعه او في العالم.
وبالمناسبة، فان غيتس لم يكن وزيرا او حاكما في الولايات المتحدة، ولم يترشح للكونغرس خلافا لما يحدث في مجتمعاتنا، إذ ما ان يبلغ احدهم وظيفة متقدمة او يمتلك مالا حتى يفكر بالتسلل الى عالم المناصب؛ فيترشح للبرلمان، او يكثف من الولائم عله يصبح سفيرا او وزيرا، حتى وان كان لا يستطيع ان يقدم شيئا في هذه المواقع.
وتفرغ بيل غيتس للعمل الخيري تعبير عن ارتباط بمجتمعه وبحاجات الناس. وحين نسمع عن اعماله الخيرية فإنها ليست ولائم في رمضان ينال اصحابها صيتا وسمعة وكأنها اعلانات تجارية، او تبرعات يتم خصمها من حصة الدولة من الضرائب، او هبات في مواسم الانتخابات، إنما عمل الخير عند غيتس مؤسسات للبحث العلمي، او تمويل دراسات علمية، او تطوير علاجات ومراكز طبية، وغيرها من المشاريع التي تترك اثرا على البشرية وعلومها وصحتها وعلمها.
الاعمال الخيرية لبيل غيتس تقابلها من بعض اثرياء مجتمعاتنا ممن تمتلئ ارصدتهم بالاموال والشركات والامتيازات، ممارسات من قبيل أن "يقتل" أحدهم نفسه للحصول على سفر على حساب الدولة، او تذكرة لزوجته كي تصحبه في مهمة رسمية! واحيانا يضطر احدهم إلى الجلوس في المطار ساعة اضافية حتى يدخل الاردن بعد الساعة 12 ليلا، فتحسب له مياومة يوم جديد!
كلما زاد مال البعض زادت شهيته للمال العام والوظيفة والهدية، من ساعة او قلم! وهناك من لديه ثروة ضخمة، لكن الناس لم تسمع يوما انه قدم للفقراء او المؤسسات او لمساعدة وطنه الا الانشاء والبلاغة! بل ان المطلب ليس ان يتبرع هكذا شخص ببعض المال لخير المجتمع، وإنما ان يكف يده فقط عما هو مشروع وغير مشروع من الامتيازات والاموال.
الارقام الرسمية تقول ان لدينا تهربا ضريبيا يصل الى 600 مليون دينار، وهذا المبلغ في بلد يبذل الكثير من الجهود للحصول على مساعدة بمائة مليون دولار؛ اي ان عددا من الاثرياء على اختلاف مستوياتهم وثقافتهم يأكلون مال الدولة، وهم يشكون اذا انخفضت ارقام البورصة، او اذا لم تأت التشريعات وفق مصالحهم، لكن لا يتحرك لهم جفن وهم يمارسون التزوير في الدفاتر والحسابات حتى لا يدفعوا ما عليهم من ضريبة، وبعضهم لا يتذكر الدستور والقانون والحقوق الا عندما تكون له قضية، والتي قد تكون قضية غير عادلة.
من المؤكد ان بيل غيتس لا يلقي خطابات في المناسبات الوطنية، لكنه يشعر بالانتماء الحقيقي لمجتمعه، ويرى ان ثروته الطائلة فيها جزء يفترض ان يستفيد منه المجتمع، وحتى البشرية، فيما بعض اثريائنا لا يعرف وطنه الا عبر جواز السفر الذي يركب به الطائرات. ولو سمع هذا البعض ان سلعة تباع بادنى سعر لكانوا السباقين إليها.
كلنا نغني للاوطان ونتعاطف مع الفقراء، لكن ليس على حساب جيوبنا او امتيازاتنا.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة