لا يزال قانون منع الإرهاب، الذي أقره مجلس النواب مؤخراً، يحظى بجدل ونقاش واسعين، ويؤدي إلى حالة من الاستقطاب الكبير في الأوساط السياسية والإعلامية بين اتجاه يرى فيه ضرورةً لصيانة أمن الناس وحمايتهم، واتجاه آخر يرى أنه مفتاح لانتهاك الحريات العامة وتراجع صارخ عن المسار الديمقراطي.
المناظرة حول القانون تتلخص في عدة قضايا رئيسة بين المؤيدين والمعارضين. فالمؤيدون يقدمون رؤيتهم في سياق ثلاث حجج واضحة:
الأولى؛ أنّ الإرهاب ظاهرة جديدة، لا تنطبق عليها مواد قانون العقوبات، وتمثل في الوقت نفسه خطراً كبيراً على المجتمع والناس؛ من هنا، فإنّ قانون منع الإرهاب يمثل معالجة "وقائية" تمنح السلطات الحق في منع الأعمال الإرهابية قبل حدوثها، ما يحمي المجتمع والناس ويوفر مناخاً أمنياً صحياً.
الثانية؛ أنّ أمن المجتمع والمجموعات مقدم على أمن الأفراد، والأمن هو الفضيلة والركيزة الأساسية التي يتمتع بها الأردن. فإذا كان قانون منع الإرهاب يحد من الحريات العامة وحقوق الإنسان لفئة معينة، تدخل في دائرة الاشتباه والعلاقة بأعمال إرهابية أو فكر متطرف، فإن الهدف من ذلك هو حماية حرية المجتمع بأسره، ومنع فئة قليلة من إيذاء المجموع العام.
الثالثة؛ أنّ الأردن، بالفعل، هدف للمجموعات والخلايا الإرهابية، وقد تعرّض سابقاً لأحداث مرعبة وخطيرة كأحداث عمان 9/11/2005، وأُفشلت عمليات كانت آثارها مدمرة فيما لو تمّت، ما يجعل من وجود تشريعات فاعلة وحاسمة لمنع الإرهاب، في ظل توقعات بمرحلة إقليمية متوترة وقلقة، أمراً مشروعا،ً بل مطلوباً.
على الطرف المقابل، فإنّ معارضي القانون يقعون في فخ الردود السطحية والمختزلة، ما يضعف حججهم. فالقول إنّ القانون يحاسب على النوايا غير صحيح أبداً، ولا دليل عليه؛ فأن يعلم شخص أنّ أحدهم يخطط لعمل إرهابي يعني ذلك توافر قرينة واضحة، ولا يدخل في باب استنطاق النوايا!
أما القول بأنّ القانون يبث منطق التخوين والتجسس داخل المجتمع، ففيه مبالغة أيضاً، فالقانون يحدد قضية واضحة، لا أعتقد أنها موضع خلاف، وهي في حال علم شخص بوجود تخطيط لعملية إرهابية فإنّ عليه أن يبلّغ السلطات المعنية، وإلا كان تحت طائلة العقوبة. لا أرى مشكلة في هذه المادة، بل الخطيئة تكمن في الاعتراض عليها، إذ الكل مطالب بالحرص على أمن وسلامة المجتمع، وهذا ركن أساس في مفهوم المواطنة والعقد الاجتماعي.
في تقديري؛ فإنّ مشكلة هذا القانون تكمن في أربع قضايا رئيسة، تمثل في مجموعها مؤشراً غير صحي على منسوب الحريات العامة وحقوق الإنسان والأفراد:
الأولى؛ أنّ النظر إلى هذا القانون لا بد وأن يستصحب السياق السياسي العام، إذ يأتي هذا القانون مع حزمة من القوانين والتشريعات (قانون الوعظ والإرشاد، وقانون الإفتاء،...)، وفي ظل الأزمة بين الحكومة وجماعة الإخوان، مصحوباً بقلق رسمي من التطورات الإقليمية. فالسياق السياسي يشير إلى "مناخ أمني" يصبغ القوانين والسياسات المختلفة، ما يجعل الحياة السياسية بأسرها أسيرة هذا المنظور وخاضعة له. فخطورة القانون تقرأ ضمن القوانين والتشريعات والسياسات الأخرى في تأثيرها مجتمعة على الحياة العامة وعلى الحريات وحقوق الإنسان من ناحية، وفي سياق تغوّل الأمني على ما سواه، من ناحية أخرى.
الثانية؛ أنّ مفهوم الإرهاب، وإن كان القانون قد عرّفه، يبقى هلامياً مطّاطاً، يمكن توسعته وتضييقه والتحكم فيه، ما يمنح المؤسسة الرسمية سلطة كبيرة في دعوى منع الإرهاب. فقد تكون خطبة جمعة تنتقد الولايات المتحدة وتدعو إلى فعل مضاد بمثابة "تحريض على الإرهاب" بالنسبة للسلطات المعنية! وقد يكون اجتماع في منزل بين أفراد ينفسون فيه شعورهم بالإحباط ويتمنون وجود مقاومة شعبية بمثابة العمل الإرهابي... الخ. بمعنى أنّ مفهوم الإرهاب بحد ذاته يفتح باباً واسعاً ومشرعاً على فئة أكبر، ودائرة اجتماعية أوسع من دائرة "الخلايا الإرهابية" المفترضة، ويمنح المؤسسة الرسمية حق تقرير ذلك.
الثالثة؛ أنّ هذا القانون يوفر غطاءً قانونياً شرعياً لما كان يعد سابقاً انتهاكاً لحقوق الإنسان؛ فأن يُسمح للمدعي العام بالقيام بإجراءات الاعتقال وتجديده، وكذلك المراقبة ومصادرة الأموال والمنع من السفر... الخ بحق "المشتبه به"، حتى وإن كانت هنالك "معلومة لها أساس"، فهذا يمنح المدعي العام والمؤسسة الرسمية سلطة واسعة غير محدودة تقوم على حساب حقوق الأفراد وحرياتهم الخاصة، بغطاء قانوني واضح. فالمعلومة أو مصدر الشبهة يقدرها المدعي العام وهي حق له، والتظلم يتم أمام القضاء العسكري وليس المدني، ومن السهولة بمكان أن يُحيل المدعي العام المعلومة إلى مصادر أمنية، على غرار "القانون السري" في الولايات المتحدة، الذي تمت بدعواه مصادرة وانتهاك حقوق كثير من الأفراد، من دون أن يكون لهم حق الإطلاع على الأدلة والبيانات!
وإذا كان يعد هذا القانون وقائياً، فإن الوقاية الحقيقية تتمثل بالتعامل مع الأسباب والعوامل التي تؤدي إلى الإرهاب، على الأقل ما يمكن مواجهته داخلياً. ما يعيدنا إلى الحديث عن الجانب الثقافي والفكري والتنموي الغائب في مختلف التشريعات والسياسات الجديدة التي وضعت بقصد محاصرة الإرهاب. فمن الواضح أنّ الجانب الوحيد الفاعل في هذا السياق هو الأمني، ومن المعروف أن المنظور الأمني، مهما أعد وأحكم، لا يحل المشكلة ولا يسد الفراغ الحاصل، بل إن سريان الروح الأمنية وسيادة الأجواء العرفية هي من شروط إنتاج حالة "تحت الأرض"، وتضييق استنشاق الهواء النقي!
مكافحة الإرهاب واجب وطني على الجميع، إذ يصيب مجتمعاتنا ومصالحنا قبل غيرنا، لكن لا بد من توفير مناخات صحية من الحرية واحترام حقوق الإنسان والحوار الفكري والسياسي الناضج، فهي الضمانة الأولى لمواجهة الخلايا الإرهابية النائمة والحية، وتجفيف الظروف والشروط المناسبة لعملية التجنيد الفكري والحركي لهذه الاتجاهات العدمية.
أخيراً؛ ربما تفتح هذه المناقشة بأثر رجعي لقانون منع الإرهاب، بعد أن أقره مجلس النواب، الباب إلى عدم التمادي في تفسير صلاحياته من قبل الأجهزة المعنية من ناحية، ولتقوية دور قوى ومؤسسات المجتمع المدني ولجان حقوق الإنسان لمراقبة هذا التطبيق، وبناء حالة من الممانعة لأي تجاوز على حقوق المواطن والحريات الخاصة والعامة من ناحية أخرى.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد