يمثل قرار مجلس الأمن الأخير 1706 بشأن دارفور محطة جديدة لكنها خطيرة وحاسمة تضع حدّاً للحلقة المفرغة التي كانت تدور فيها أزمة الإقليم - الذي يشكل خمس مساحة السودان تقريباً- وذلك بالوصول إلى اتفاقيات وتفاهمات ومن ثم نقضها وكيل الاتهامات المتبادلة بين الحكومة السودانية والفصائل المسلحة الموالية لها وبين حركات التمرد.
القرار الجديد يدعو إلى إرسال قوات حفظ سلام إلى دارفور، بموجب البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ويبلغ عدد هذه القوات قرابة 22500 جندي، يضافون إلى قرابة 7000 جندي يتبعون الاتحاد الإفريقي، وتكون مهمة القوات التأكيد على ضمان الأمن والسلام ووقف إطلاق النار وفتح المجال للجهود الدولية لإنقاذ الوضع الإنساني وانتشاله مما وصل إليه، إذ تشير المعلومات إلى قرابة مليون ونصف لاجئ وعشرات الآلاف من القتلى وحالات مرعبة من انتهاك حقوق الإنسان والاغتصاب والأوضاع الإنسانية المأساوية التي تنذر بكارثة أكبر في حال بقي الصراع مشتعلاً في الإقليم.
وعلى الرغم أن القرار يهدف إلى تطبيق اتفاقية "أبوجا" التي وقعتها الحكومة مع بعض حركات التمرد، إلاّ ان اعتراض الحكومة السودانية يتمثل في إرسال القوات وتدويل الإقليم، ما يمثل انتهاكاً لسيادة الدولة وسلطتها. فما تخشاه حكومة الخرطوم أن تكون أحداث الغرب والجنوب، والتوترات التي تظهر بين الفينة والأخرى في شرق البلاد مقدمة لتقسيم السودان جغرافياً وتفكيك الدولة، بحيث تؤول الاتفاقيات والحكومات المحلية، التي تنشأ في المناطق المختلفة، مع تقادم الوقت إلى دول مستقلة.
تبدو خيارات حكومة الخرطوم في مواجهة القرار الدولي محدودة وضعيفة، فهي غير قادرة عملياً على حسم النزاع المسلح عسكرياً، ولا تمتلك الموارد المالية الكافية لمواجهة ممتدة في الإقليم، فضلاً عن مواجهة قوات دولية مدججة بأفضل الأسلحة والجنود المدربين وبقرار من مجلس الأمن وفق البند السابع الذي يسمح باستخدام القوة لفرض النظام والأمن.
يبقى قبول الحكومة السودانية بقرار مجلس الأمن والعمل على تنفيذ اتفاقية أبوجا بمثابة الحل الواقعي، وصولاً إلى وقف كامل وحاسم لإطلاق النار، مع التأكيد على ضرورة خروج القوات الدولية من الإقليم حينما يستقر الوضع السياسي والأمني فيه. لكن في حال أصرت الحكومة على رفض القوات الدولية فإنّ الاحتمال الأول المترتب على ذلك يتمثل باستئناف الصراع المسلح في الإقليم بين القوات الحكومية المدعومة من قوات الدفاع الشعبي (ميليشيا شبه حكومية) والجنجويد ضد قوى التمرد الأخرى، وسيترشح عن ذلك تدهور الأوضاع الإنسانية والسياسية واستمرار الضغط الدولي لإرسال القوات إلى السودان، حتى وإن رفضت الحكومة السودانية.
أما إذا وصلت القوات الدولية إلى دارفور وأصرت الحكومة السودانية على الرفض ونفذت ما هددت به من إشعال فتيل المقاومة المسلحة، فإن السودان سيدخل في طور سياسي جديد مختلف بالكلية، وستتحول دارفور إلى منطقة جذب للأفراد والمتطوعين العرب عابري الحدود، وقد أصبحوا بمثابة "قوات التدخل السريع" في أي بقعة تحصل فيها مواجهات ترفع فيها رايات "الجهاد" والقتال المقدس، ومن المعروف أن زعيم القاعدة قد بشر بحرب طويلة الأمد في غرب السودان قائلاً: "إني أعزم على المجاهدين وأنصارهم عموما في السودان وما حولها، بما في ذلك جزيرة العرب، ان يعدوا ما يلزم لإدارة حرب طويلة المدى ضد "اللصوص الصليبيين" في غرب السودان، وإلى أن يتعرفوا على أرض وقبائل ولاية دارفور وما حولها". وقد أشار بن لادن إلى ضرورة تجاوز الخلافات مع حكومة البشير، حيث كان يقيم بن لادن في السودان في منتصف التسعينيات قبل أن يطرد منها، قائلاً: "هدفنا واضح وهو الدفاع عن الاسلام وارضه وأهله، لا الدفاع عن حكومة الخرطوم، وان تقاطعت المصالح". وأكد أن الأزمة في السودان، تندرج في إطار "حرب صليبية صهيونية مستمرة ضد المسلمين".
يبدو واضحاً من تصور زعماء القاعدة ومن خبرتها السابقة أن هنالك استعدادا وتحفزا إلى ميدان آخر من المواجهة المسلحة والى ارض تشكل محضناً وساحات تدريب وتجنيد لأفراد القاعدة وستكون دارفور بجغرافيتها الممتدة والمناسبة وكبر مساحتها والحوافز التي ستوفرها حكومة الخرطوم ذلك الميدان. كما أنّ وجود قواعد جديدة للقاعدة في دارفور، سيكفل لها الاقتراب من الصومال، حيث تسيطر حالياً المحاكم الإسلامية، وايجاد مركز للنشاط في أفريقيا، ما يعني في المحصلة تحول دارفور إلى منطقة صراع مسلح إقليمي ودولي.
من الصعوبة بمكان التنبؤ بطبيعة وتركيبة السودان الجديد سياسياً وجغرافياً، لكن من الواضح أن المشكلات والتوترات الأمنية والسياسية في مختلف مناطق السودان تشي بتجذر الأزمة وعدم قدرة المركز على الحفاظ على المعادلة السياسية السابقة.
الحل النموذجي يتمثل بتغيير جوهري حقيقي في هيكل النظام السياسي بما يسمح بتلبية مطالب الأقاليم المختلفة وبناء نظام يستجيب الى مطالب الجميع، ينهي إشكالية المركز والأطراف ويسمح ببناء نظام فدرالي تعددي يستوعب الثقافات والديانات والمصالح المختلفة، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد. إلاّ أنّ هذا الحل يتطلب قدرة وكفاءة سياسية وكارزمية مقنعة تشكل قفزة حقيقية في تاريخ السودان وتتجاوز هاجس التجزئة والتقسيم إلى مرحلة إعادة بناء وتشكيل السودان الجديد.
إذا لم تستطع الحكومة السودانية بناء مبادرة وطنية شاملة تتضمن معادلة ترضي الأطراف وتضمن وحدة السودان فإن الوحدة السياسية والجغرافية للسودان، بالفعل، مهددة، كما أنّ فتح صراع مسلح في دارفور يعني توقف عجلة التنمية والتطوير في السودان وارتهانه سياسيا واقتصادياً لفترة أخرى، ربما تطول، لمعارك لن تحسم عسكرياً!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد