«ابنة الغيم»

 

يضربني سؤال واخز، كلما أنجزت كتاباً. هل ميلاد كتاب يوازي ميلاد طفل من أطفالنا؟، وأيهما أقرب: كتاب نؤلفه بحب، وجهد، وصبر. أم طفل يوقعك بحبه من أول تشابك أصابع بينكما؟. أم يتساويان في القلب؟. أم أننا في زمن عاق، لا حاجة لنا به لكتاب سيطويه النسيان، أو يعلوه الغبار، ولسنا بحاجة لولد قد لا يكون عكازنا، إذا ما قصرت خطانا، وذبلت زهرتنا، في أرذل العمر؟.

ليس هذا ما أهلوس به فقط، بل أصاب بما يشبه كآبة ما بعد الولادة، كالتي تحسها الأمهات، كلما أقمت حفل إشهار لكتاب من كتبي، ولهذا تراني أورط من حولي بأمري، فالكتاب ليس كاتباً، بل هو (كاتب وقارئ)، ولهذا فحفلات التوقيع ليست إعلاناً لولادة كتاب، بقدر ما هي توليد لقراء يشتركون معنا بالكلمة، والمعنى، والخيال، ويقاسموننا الأفكار. فلا معنى لكتاب بلا قارئ، ولا جدوى من كاتب بلا قراء.

كتابي الجديد (ابنة الغيم) يختلف عما أنجزت من قبل، لأنه ينحاز لروح الحياة والجمال وللعشق: عشق الأرض، والشجر، وزقزقة الزرازير، وغناء الحصادين، ودمع الأمهات في زفة العريس، وهو يؤنسن ينابيع الماء، ويجعل الزيتونة أماً، والتينة أختاً والبيلسانة قامة جمال شاهقة. وهو خلاصة سنوات من الصيد بقلب عاشق، وعينه.

أطلقت على عجلون مسمى ابنة الغيم. وأظنني سأستطيع بمساعدة الأصدقاء، أن نكرس الاسم انتصارا للجمال والشاعرية. فمن لم يشهد كيف تتخلق هذه المدينة المزروعة على أكتاف الجبال، وكيف يمتزج ماء رأسها بالغيم والندى وزغب الشمس، فهو لم يشهد ميلاد يوم مُبرنس بضوء الحياة. ومن لم يسرح مع غيوم صيفها تزحف على السفوح (نحن نسميها غزلان الندى)، فصيفه لا يعول عليه.

عدت إلى المربع الأول للحياة في أبسط تجلياتها، في هذا الكتاب، فأنا ما من الذي يرون أن أقرب الطرق إلى العالمية، هي المحلية. المحلية المغرقة في التفاصيل ونبش المعاني وإستحضار الروائح، والمذاقات، وحكاية عناء الأجداء، وطين الطفولة، وكهرباء العشق الأول، أي أنك كلما ضربت جذراً أعمق بأرضك وتراثك، فأنت أقرب إلى روح العالم، والعالمية. وضرب الجذور لا يعني ألا نحلق في سماء التقدم والحداثة. ولهذا فكتابي ينسحب على كل أريافنا وقرانا، وأحسبه قصيدة صغيرة للإنسانية.

أول أمس أقيم حفل ميلاد (ابنة الغيم)، وكنت مشتعلاً بالسرور، لما تقاطر الأهل والأصدقائي والشركاء لنشهد هذا الميلاد، فشكرا لكل الذين يسندون جدراني، ويشعرونني بأنني كثير بمن حولي. شكراً بحجم الحياة.

بقلم رمزي الغزوي 

المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية