الواقع خشبة
يقال أن من صفات الأسد أنه ذو حياء، أي يخجل و(تنكسر عينه)، ولهذا لا يفترس أبداً من يحدّق في عينيه، بل ينسحب مولياً، وإن كنتُ لا أنصح أحداً بتجريب هذه المجازفة، وأدعوه أن يطلق ساقيه للريح. وبعيدا عن الحياء والخجل، إلا أنه من المؤكد أن الأسد لا يفترس إلا إذا كان جائعاً، فحتى لو مرت فريسة من بين فكيه، لا يلتفت إليها إن كان على شبع: إنه لا يقتل من أجل القتل
.
ولكن ذئباً واحداً، قد يفتك بشلية غنم، أو قطيع غزلان، أو طبقة كاملة من مجتمع | ، فالذئب يقتل لذات القتل، ويفتك للتلذذ والمتعة، فهو يقتل إن كان جائعاً، وإن كان على تخمة، ولا تنكسر له عين، فلو حدقت به عمراً فلن ترحمك نظراتك الشجاعة من أنيابه، وسيتبعك إن هربت حتى حمى دارك، ولهذا كانت العرب تقول لكل من يتسم بالصلف: هو أوقح من ذئب | .
الذئاب لا تهاجم، إلا على شكل جماعات، لتكون أقوى وأمنع، ومن المعروف أنه إذا جُرح أي ذئب خلال الهجوم، وسال دمه، فإن رائحة الدم تثير رفاقه قبل خصومه، فهم لا يأخذون بيده، أو يسعفونه، أو يذودون عنه، بل إنهم يحوطونه بكل تمزيق ونهش ويفترسونه بدم بارد: شريعة الذئاب | .
قديماُ كان الشبان، في غير مواسم الزراعة والعمل، يتمرغون بأوقات الفراغ الفضفاضة، فلم يكون لديهم ما يتلهون به، فلا بلياردو، أو خلويات بألعاب ثلاثية الأبعاد، وبلوتوث، أو أوراق شدة، ونرد وأرجيلة، ولذلك كانوا يمارسون ألعاباً عنيفة ينفسون بها عن أنفسهم المكبوتة، ومنها لعبة (الخوازيق).
تستخدم في هذه اللعبة الأقدام لتبادل رفسات قوية ومركزة بين فريقين، ولهذا فلا عجب أن البعض منهم كان يفقد نصف خصوبته أو أكثر، في خضم هذه اللعبة الخفيفة | ، ومن العجيب أن الأمر كان على ذات طريقة الذئاب الشهيرة، فاللاعب الذي يسقط أرضا، لن تمتد إليه يد المساعدة، أو العون على النهوض، بل تنهال عليه الرفسات من كلا الفريقين: (الجمل إن طاح كثرت سكاكينه | )، وهذه الحركة الذئبية اللئيمة كانت تسمى: الواقع خشبة | | .
في هذه الأيام العصيبة، أشعربأننا أصبحنا في ميدان خوازيق، تصفن فيه قبيلة الذئاب وتقف مشدوهة من بني الإنسان؛ لتتعلم منهم بعض فنون صب الركلات على كل من يطيح في أرض الفقر والعوز والضعف، وإلا كيف يفسر هذا الغلاء المصبوب على ناسنا البسطاء الواقعين كخشبة، تحت ركلات وقرارات نار الأسعار: ربما أن البعض، هم أقرب إلى الذئاب، من أي وقت مضى: فالواقع خشبة.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |