ثقب جرة السماق

 

كانت توجعنا نكتة القائد الملهم، في دولة من العالم التالف، يزور وحدة المدفعية في جيشه، فيدهشه أن جندياً (أحول) يتصنم بجوار سبطانة مدفعه، فيسأله عن مهنته، فيقول: يا سيدي، أنا طوبجي (أي مدفعي)، فتزداد دهشة القائد، فكيف يكون هذا، وأنت أحول قد تخطئ عتبة داركم، وتدخل بيت الجيران. فيرد الجندي منتشياً: أنا اختصاصي قصف عشوائي.

في بدايات الثورة السورية، شاهد العالم جندياً يترجل من مدرعته بكل رعونة وطيش، ويطلق رشاشه في قصف عشوائي بهيج، في أرجاء أهله، في مدينة دير الزور. فزاد وجعنا أكثر، فلم يكن في البال، أن تصبح النكتة حقيقة عوراء في واقعنا الأحمر.

وبعد أكثر من سنتين ونصف السنة، عن ذلك الطوبجي الرشاش، نقرأ بوجع في صحيفة ذا تلغراف عن جراح بريطاني متطوع في سوريا تأكيده إن قناصة النظام الأسدي، باتوا يستهدفون النساء الحوامل، ويدققون بإصابة رأس الجنين، في لعبة تحد: من يثقب (جرة السماق) بشكل أدق؟.

فلاحو الشام، كانوا يعتقدون أن أم العروس عروس، أي أن المرأة الحامل بنتاً تصبح جميلة كعروس، خلال فترة حملها، بعكس التي يكون حملها ذكراً، فيغدو بطنها منتفخاً وبارزاً إلى الأمام بشكل كروي مفلطح، ويختلف لونها ويعلو وجهها طيف الكلف والنمش: فأم العريس تنوس، أي يشحب لونها ويذبل كما تنوس فتيلة القنديل

ولأن كل تلك الدلالات لم تكون لتصدق دائما يوم الميلاد، فإنهم كانوا يطلقون على المرأة الحامل لقب (جرة السماق)، فالذي ببطنها لا يعلمه إلا الرب الخلاق، على حد تعبيرهم، بالطبع كان ذلك (قبل أجهزة السونار)، تماماً كالسماق المخبأ في جرة فخارية، فتخفي عمن يشاهدها إن كان بها ماء، أو عسل، أو سماق.

اليوم اختلاط السماق بالسّراق، والحابل بالنابل، والثوري بالإرهابي، لتتبعثر أوراق أكبر كارثة إنسانية شذراً مذراً، بسبب إستبداد طبيب عيون لم يحسن مشاهدة أن أطفال درعا الذين كتبوا على الجدران، لم يكونوا إلا بطباشيرهم العارية، وصدورهم الصغيرة.

كسب الجميع: أمريكيا حققت ما تريد، بتفكيك السلاح الكيميائي السوري، وكذا كسب العدو الإسرائيلي، وإيران تكسب، وروسيا تضاعف من مغانمها، والنظام الأسدي يستمر بالقتل والتشريد. ووحدهم الناس قد خسروا أرضهم، وأبناءهم، وجرارهم. والعالم ما زال يتفرج على قناصة يثقبون الرأس في جرة السماق.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور