«فرمتة» الرأس
تنتشر في اليابان مئات النوادي الخاصة بالضحك، فهي تتخذ هذه الميزة الإنسانية الأكثر أهمية لعلاج الأمراض المستعصية للعصر التكنولوجي، بعد أن حل الاكتئاب في النفوس والرؤوس، كضريبة باهظة الوجع للتقدم الحضاري السريع، فالإنسان الياباني بات مبرمجاً كالكمبيوتر الذي يعمل عليه
| .
بعيداً عن الضحك، فأول كمبيوتر تم اختراعه كان بحجم مستشفى، لكنه مع كبر رأسه، وضخامة رمته، كان غبياً و(تمبلاً)، فلم يك بمقدوره إلا جمع أرقام بسيطة، وضربها وقسمتها، بكثير من الأخطاء المضحكة | | ، لكنه ظل يتصاغر في الحجم، ويتعاظم بالأداء، حتى صار متاحاً بحجم راحة اليد وأدنى، مع مهام تفوق الخيال وشطحاته | | .
الكمبيوتر جعل منا كائنات مختلفة، لا بد أن نقر بهذا، فيكفي هذا السيل العارم لشبكة الإنترنت، التي تدخلت في كل شؤوننا صغيرها وكبيرها، وأنهت الفواصل المكانية بيننا، واضعة الجغرافيا والتاريخ في الكيس، وسينتهي عهد المدرسة ودورها في المعرفة، فالتعليم متاح وأنت في بيتك | | .
وفي تقدمنا سنشهد مصانع بلا عمال، وتعليماً بلا معلمين، وسياراتٍ بلا سائقين، وهواتفَ بلا أرقام، وربما سنشهد جنساً ومشاعرَ حميمة بلا رفيق | ، هكذا سيؤول الزمن، ونحن نحمل الكمبيوتر في أيادينا، وعلى مكاتبنا. ولكن ما حالنا، إذا زرعت هذه الأجهزة في أدمغتنا؟ | .
هذا العصر سيشهد ولادة ثورة النانوتكنولجي، أي الثورة الرقمية متناهية الصغر، إذْ الكبيوتر عالي المواصفات، بحجم ذرة هواء أو أصغر، أي كل مائة مليون كمبيوتر بطول سنتمتر واحد، هذه الكمبيوترات ستزرع في الأدمغة، وستكون محملة بشتى المعلومات والبيانات، والصور والمعارف قديمها وحديثها | | .
وسيكون الإنسان أكثر ذكاء ومعرفة، فيمكنك أن تحمل رقاقة كمبيوترية في دماغك، تحوي كل الشعر العربي مثلاً، ولن يكون هناك داع لترهق نفسك في تحفظ المعلقات، ونقائض جرير والفرزدق، وخمريات أبي نؤاس، وستحمل بيانات عن كل البشر، فبمجرد أن ترى الرجل تعرفه وتعرف تاريخه من ساسه لرأسه.
وعدا عن المعادلات الفيزيائية والبيانات التي تجعلك عالما بكل شيء تريده، فالعلم الذي يتطلب دراسة لسنوات، سيكون متاحاً لتحمله بيسر في دماغك، وستكون أنت الكاميرا، فعينك تلتقط الصورة وعند أقرب استديو يمكنك تبييضها، لكنك ستكون مربوطاً بشبكة الإنترنت؛ ما يعني أنك ستكون مكشوفاً، بالقدر الذي أنت فيه مبهم وغامض | .
ربما سيكون الإنسان في هذه الثورة أكثر ذكاء، وأكثر معرفة، وأكثر علماً، والحياة أسهل وأسرع، لكنه سيكون إنسان آلة | ، ولن تكفي ملايين نوادي الضحك، لتعالجه من أدران الضجر والسأم | | .
ولهذا فقد يحتاج الواحد منا -بين الحين والآخر- أن يضرب رأسه بحيط، ليتخلص من فائض كآبته، أو أن (يفرمت) رأسه لينعم بالعودة إلى فطرته الأولى | .
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور
login |