النهار خطوتان
لتشرين نكهة أخرى، لا تدركها ألسن الدهر، تشرين هذا الفتى المحمم بليفة المطر البكر، المعطر بلثغة السفرجل الفوّاح، إذ يتدلى على أمه ككرات الذهب، هذا التشرين الموشى بعباءة شمس خفيفة؛ ترفل فوق أكتاف الوديان الآيلة للخريف.
تشرين سيد شهور الأرض
| ، إذ الزيت سيبقى أبد العمر عمارة بيوتنا، ومسامير ركبنا، ونسغ قناديلنا الساهرة بخشوع لحكايا آبائنا الطيبين، تشرين عريسنا التياه، وحبنا المخضب بعبق الطيون، المجلل بنقيق الضفادع، وحنين (القبرات). لتشرين نكهة أخرى إذن، كتلك المخبئة بأثواب جداتنا المتعبات في مواسم الزيتون: فسلام على جداتنا، وسلام على تشرين في السنين | | .
قصيراً يصير النهار: النهار ليس إلا خطوتين اثنتين | ، على رأي أبي العجول، والمدرسة القبيحة تبلع أكثر من خطوة: فماذا سيبقى من جحش النهار؟ | ؛ كي نسابق قرص الشمس المخاتل بين فروج الغيم، فالموسم زيتون يا حسرتنا، ونريد أن نلحق أهل في الكروم، نعينهم ونمرح كزرازير الفجر، فنسرع أكثر، ونقذف كتبنا الثقيلة من شقِّ الشباك، ونركضُ كغزلان ترد الماء، نخشى ألاّ نلحق ظلنا الممطوط قليلاً فوق الأرض .. ياه | | ، كيف يلهث بنا هذا النهار الصغير كحمار هزيل: ألا تمهل أيها النهار | | .
سلامٌ على الزيتون، ما حنَّ تشرينُ لقبلة مطر أخرى، وما غنَّى بلبلٌ على شجر الحور المياس بأصابع الريح، سلام عليك يا أرضنا المخضّبة بالعناء والحناء، يا المزنّرة بالتعب العذب، سلامٌ علينا إذ نجترُّ بقايا أغانينا المحترقة باللهفة والأشواق. سلامٌ على جنون أنفاسنا الحرى، إذ تبقينا صغاراً برسم الكهولة، ندرجُ على عتبات الطفولة، فلا نكبر أو نشيخ | | .
سقى الله أحلاماً تمشي، كانت تدرج بين أيادينا كفراخ الحجل. سقى الله ساعات مفعمة بالبركة والخير، إذ الجدة الحادبة تنفخ في النار تحت إبريق الشاي المسخم، والدخان يمخر ذوائبها فتزداد شيباً على شيب.
سقى الله أحلاماً ما تزال تراودنا، إذ نسرق ما طالت شقاوتنا من زيتون، كنا ندفنه بعيداً عن عين الجد، لنبيعه للتاجر الغشاش، الذي يرجِّحُ كفة ميزانه، وينهرنا بشتائم من تحت الحزام، إذا ما هششنا نحلة عن (صدر) الهريسة؛ خوف أن تعلق بعض الحلاوة بأطراف أصابعنا، التي سنمصها بنشوة نشوى: سقى الله أحلاماً تمشي في أفياء الزيتون | | .
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |