عقل (حوينه عليه)
قلما تخلو بيوتنا من مخزن لحفظ (الكراكيش)، يكون مستقراً ومقاماً لكل ما هب ودب، حتى ولو دخل البيت على سبيل الاستعمال لمرة واحدة، أو أصابه عجز دائم أقعده عن مهمته: فشاكوش مكسور الرأس لا يرمى، بعد أن أصبح عاجزاً عن الدق، بل يحال إلى الاستيداع، بحجة أنه سيأتي عليه حين ويستفاد منه أي (حوينه عليه
| ).
وهكذا مع باقي الكراكيش والطراطيش والكراريب، فقد تجد مسماراً مطعوجاً، وقلم حبر لفظ آخر خطوطه منذ سنوات، وعلبة دهان مبقورة البطن، كان يفترض أن تتحول إلى أصاص زريعة، لكن الصدأ حرمها من هذه المهمة، فظلت في الحفظ والصون، فربما يأتي عليها حين ويستفاد منها: حوينه عليها | .
وخزائن ثيابنا مصابة بالتخمة، ويلازمها التلبك المعوي في غالبية بيوتنا؛ فعقليتنا التجميعية تأبى أن تفرط بشيء، حتى لو بهت وبار لونه، فلا نستغني عنه ونرميه، فلدينا شبه قناعة متجذرة، فحواها أن لكل شيء حيناً سيأتي عليه، ويستفاد منه، لكننا سنكتشف متأخرين، أن ما كنزناه وحفظناه، ما هو إلا مزيد من الفوضى ولا شيء إلا الفوضى | | .
قديماً كانت الثياب تنتقل بالتتابع العمري طويل الأمد، من والد إلى ولد، فثياب الأب الفضفاضة، التي أصابها الإعياء والتهتك، كان لا يُفرط بها بتاتاً، وإنما تجرى لها عمليات (تقييف) وقص وتضييق وتخصير، لتلائم أكبر الأبناء، ثم تأخذ مسارها الطبيعي فيما بعد إلى الولد الذي يليه، ثم الذي يليه، حتى إذا ما أصبحت رقعها أكبر منها، فإنها لا تحال إلى التقاعد المتأخر، بل ستدخل طوراً جديداً في الخدمة، لتصبح ممسحة مطبخ بامتياز | .
ولربما العقل العربي كذلك، فقد تداخلت عليه الأفكار والنظريات والتشعبات، وخالجته الآراء والشعارات الرنانة والبيانات المرقمة، وكل مهمته أنه ظل يضطلع بالجمع والتجميع والحفظ فقط، دون الاستعمال على تراب الواقع.
فعقلنا العربي (قيّف) وخصّر وصغر الشيءَ الكثير، من الأفكار، لكنه ما زال يؤمن أنه لم يحن الوقت ليقوم بمهمة التخلي عن أشياء باتت من ذكريات القرون الوسطى المظلمة، ومن قمامة الحضارات البائدة: هذا العقل قد يكبر، ويتضخم كما تتضخم خزائن ثيابنا، ولكن دون القدرة على ارتداء شيء ما | | | . فهل سيأتي حينٌ من الدهر نحيا فيه بفكرة على مقاسنا، تناسب واقعنا وتطلعاته وأحلامه؟ |
بقلم رمزي غزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور
login |