بإعدام الرئيس العراقي صدّام حسين يسدل الستار على آخر فصل في حياته، لكن جدل الموقف منه لا يتوقّف، يتضاعف ليس بين العراقيين وحدهم بل في العالم العربي بأسره. إذ كان مشهد الإعدام مستفزاً إلى درجة جعلت خصوم صدام يقشعرون مما رأوه، ولعلّ أداء صدام لحظة الرحيل يسجّل له؛ وكأنّه اختطف المشهد الأخير من حياته ورسمه بنفسه ليخرج من المسرح السياسي والتاريخي بالصورة التي أراد!
الاختلاف الهائل حول صدّام يعود - بدرجة رئيسة- إلى أنّ كل فريق يرى صورته من زاوية ويغفل الزوايا الأخرى. موقف الشيعة العراقيين من صدّام موقف ثأري بامتياز، من حاكم قتّلهم وأذلّهم، ولم يرعَ فيهم رحمة ولا عفواً، ولا يزالون - ما دام حيّاً- يشعرون بالقلق من عودته في "صفقة" كبيرة جرّاء التحوّلات الجارية بين الإدارة الأميركية والسنّة، فاستبقوا ذلك بإعدامه في سياق غير قانوني ولا حضاري وصفه الاتحاد الأوروبي نفسه بـ"الهمجي" ووجد استياءً عالمياً لا نظير له. من جهتهم السنة العرب، وعلى الرغم أنّهم اكتووا بنار حكم صدام عقوداً، كغيرهم من العراقيين، إلاّ أنهم رأوا في إعدام صدّام رسالة سياسية ضدهم، وترميزاً لسيطرة الشيعة على "العراق الجديد!"، واتهموا اليد الإيرانية، في العراق، بتعليق مشنقة صدّام، من دون محاكمة قانونية صحيحة. ورأوا أنّ صدّام على سيئاته كان أفضل ممّن جاءوا بعده، وتجاوزوا بأفعالهم خطاياه، فأصبح العراق كله في خبر كان!
عربياً؛ ثمة أكثرية وأقليّة. الأقلية رأت في صدّام حاكماً مستبداً، غاب الدستور وحكم القانون في حقبته، وتحوّل العراق إلى جحيم حقيقي لشعبه، صادر إرادة الشعب وإنسانيته واستباح سفك دماء الناس وأموالهم. أمّا الأغلبية سواء في النخب السياسية أو الشعوب فقد انحازت تماماً لصدام، ونظرت إليه من زاوية العداء مع أميركا وإسرائيل، فرأته حاكماً قومياً شجاعاً ضحّى بحكمه ونفسه وأبنائه ضد الهيمنة الأميركية والإسرائيلية، فصدّام لدى الأكثرية شهيد، وإن كان في فترات حكمه الأولى قد أخطأ، كما يرى البعض، فقد كفّر عن ذلك فيما بعد بمواجهته للأميركيين ورفضه التنازل والمساومة معهم.
في خضم القراءات المتعددة، ثمة قراءة أخرى من زاوية مختلفة، وهي – باعتقادي- أهم الزوايا وأكثرها أمانة في الحكم على الرجل، وتكمن هذه القراءة في التساؤل: ماذا قدّم صدّام لشعبه أو ماذا حصد العراقيون من سنوات حكمه المباشر الممتدة إلى قرابة ربع قرن؟ مع استدراك كبير جداً هو أنّ الموقف من صدّام مسألة مختلفة تماماً عن قصة محاكمته، التي أدانتها منظمة هيومن رايتس وتش، وأظهرت واقع العراق المرير اليوم، إذ لم تحترم حتى تقاليد إنزال "العقوبة" التي حكم بها الرجل، في ظروف استثنائية غير قانونية.
صدّام قفز إلى حكم العراق؛ دولة تمتلك شروطاً فريدة، في العالم العربي، تمكّنها من أن تصبح دولة قوية ذات شوكة، وأن تخطو باتجاه العالم المتقدم بسرعة شديدة؛ جغرافيا زراعية، مياه وفيرة، وأيد عاملة ماهرة، ما يمكن أن يجعل العراق مزرعة متنوعة ومصدّراً لمختلف دول المنطقة. ومنح الله العراق ثروة نفطية ومخزوناً كبيراً، يوفر له دخلاً لرفاه الشعب وتقدمه، مع تنوع ثقافي وعقائدي وعرقي واسع يعطي الدولة ألواناً حضارية وجمالية، بخاصة أنّ حزب صدام، البعث، حزبٌ علماني (بالمناسبة لم يشهد العراق الحديث شعوراً بالأزمة الطائفية والعرقية قبل حكم صدّام). والأهم من هذا وذاك أنّ العراق خزّان للخبرة البشرية والكفاءات العلمية والعقلية، ما يمكن أن يجعل معه أي نظام سياسي - راشد وديمقراطي- العراق دولة متطورة اقتصادياً وتنموياً.
في حصيلة ربع قرن من حكمه، ومهما اختلفت وتعددت زوايا النظر والرؤية، فإنّ القراءة العقلانية الموضوعية، غير المشحونة – فقط- بإيحاءات المشهد الأخير، تقودنا إلى حجم الدمار والبؤس الذي وصلت إليه دولة عربية كان يفترض أن تكون المركز الرئيس في النهوض والتقدم. سوف يقول البعض: إنّ القوى الدولية هي التي دمّرت حلم العراق وعملت على إنهاكه، لإضعاف العرب جميعاً، وهذا صحيح، لكن صدّام خسر الرهان عندما دمّر العراق من الداخل وفرّغه من التوافق الشعبي الذي يشكل صمام الأمان في أي مجتمع ودولة لمواجهة الظروف والتحديات الخارجية، فصار القرار السياسي وتقرير مستقبل بلد بأكمله بيد شخص واحد وحساباته الشخصية.
ربما تطهّر صدام في رحلته الأخيرة بين الهروب والسجن، هذا في ذمة الله وحكمه العدل، لكن ما ورثه العراقيون من صدّام: دكتاتورية قتلت روح المدنية وأضعفت شروط الديمقراطية. لا نمو اقتصاديا ولا تنمية، ولا مؤسسات تحمي المجتمع، إنّها تركة ستحكم العراق إلى سنين قادمة، إلى ما بعد "التيه".
النموذج الأردني يساعد على رؤية زاوية مستترة في صورة صدّام، بخاصة في مناقشة من "يديرون" الشارع اليوم؛ فالملك حسين الذي عاصر صدام، وحكم الأردن قرابة نصف قرن، جاء إلى دولة صغيرة، في بدايات تشكلها، من مدن صغيرة، بسيطة في العمران، بلا موارد طبيعية حقيقية، وبنية تحتية ضعيفة، ومجتمع وليد، لا يزال في بداية طريق التعليم والبناء، فضلاً عن مشاريع دولية وإقليمية تسعى للانقضاض عليه بذريعة شعارات منفوخة. فكرّس الراحل جهده ووقته وعقله لبناء بلد مستقر، ينمو، يبني مؤسساته ومستقبله، وقاد السفينة بمهارة مشهودة، فجنّب الأردنيين كوارث كبرى، أصابت كل من حولهم.
لم يصبح الأردن دولة ديمقراطية، بالسمات المعروفة، لكنه بات نموذجاً على التسامح السياسي والعفو والتعايش والقدرة على بناء مناخ صحي بين مختلف القوى السياسية والشعبية، وأصبح – كذلك- مثالاً على الاستقرار الحقيقي والأمن غير المزيّف والاستثمار في التعليم والعقول البشرية. ويكفي أنّ الأردنيين مغبونون بين الدول والشعوب المجاورة على ما حققوه في ضوء الشروط المحدودة.
بين نموذج قيادتين فارق، العراق بكل ما يملكه من شروط استثنائية للنجاح والقوة، أين؟ والأردن الذي لا يملك إلا القليل، كيف أصبح؟
قتلتنا الشعارات التي تحجب النور عن الأبصار.. إنها رسالة من عمّان إلى الأردنيين الذين نسوا أو غفلوا!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد