خنجر لشمس الرحيل
قديماً كان الغجر يحلون على قريتنا في مواسم الزيت وبدايات الشتاء. فيضربون خرابيشهم الملونة وخيامهم في السهل الواسع بين أشجار الزيتون، وكنا نهبّ نعاونهم بنقل الماء، وسرقة ما تيسر من حطب أسيجة دورنا، عربوناً لمحبة، ومفتاحا لتعارف جديد.
الفرح كان يملؤنا حتى تراقينا وشوشة رؤوسنا، نحن الأولاد الممزوجين بالعفرتة والطيبة وبدايات العشق. وكل حين، وفي غمرة انشغالنا بوصولهم كان يهمزني قلبي الخجول: هل عادت غجرية العام الماضي معهم؟
، هل كبرتْ بم ا يكفي؟ | ، هل صار شعرها أرجوحة حلم يطير؟ | .
الغجر كانوا يحيلون القرية نشاطاً. الكل يقصدهم: هذا يريد أن يركِّب أسناناً ذهبية، بدل أسنانه الآيلة للخراب والسقوط، وآخر يروم أن يشحذ فأسه، وامرأة طاعنة البركة تطلب غربالاً للقمح، وأخرى تريد أن تبيّض أوانيها النحاسية؛ لتعود لامعة كعروس.
ونحن كان يعجبنا أن تعطينا الغجرية العجوز غليونها الطويل، المصنوع من القصب، فنعبّ الدخان ساعلين بعيون دامعة، ثم نطلق سحابةً بيضاء، نخالها ستمطر بعد حين على عتبة الخيمة. وكان يعجبنا أكثر أن نساعد الحداد، فننفخ له الكير (فرن الحداد)، ونراقب الحديدة، إذ تغدو دماً ملتهباً بين الجمرات النزقات، ثم تصير فأساً أو سكيناً بعد ضربات المطرقة: فيا ذا الحداد الأبله، ماذا ستصير قلوبنا الملتهبة، إذا ما طرقتها يوماً مطارق الحب؟ | .
كثيراً ما كنت أتصنم أمام الصانع الحاذق، صاحب الشعر الأبيض المجعود، إذ يصنع خنجراً من قرن كبش، وكم تمنيت لو أتزمر بهذا الخنجر، وأقتحم عين الشمس، وأنحرها قرباناً لغزالة لم تعد هذا العام مع خيام الغجر: غزالة كان لها مذاق الزيت وأطيب | | .
الغجريات كن يجبن البيوت والحارات، يبعن الإبر، والأمشاط وعلك البطم، ومنهن من يقرأن الحظ بالودع (أصدف البحر) | . وذات كانون بعيد تنادي أمك غجرية جوالة، تطلب منها أن تقرأ بعض حظك، لقاء خيط من زيت، فترمي الغجرية ودعها، على صفحة الترب: مرة إثر مرة، ثم تعيد الكَرة مرتين.
تنظر الغجرية قارئة الحظ في عينيك ملياً، ثم تبتسم بطرف شفتيها الرقيقتين، وتقول لأمك: هذا ولد عفريت | ، يحلم بأجنحة لسفر بعيد. فلا تدعيه يطير من تحت جناحك | . فأفرح بسري كثيراً، فالغجرية لم تقل لأمي شيئاً بشأن الوقوع في الحب الأخير. ثم أمضي أتحسس قلباً يلتهب في جمر الصدر، أتمنى لو يغدو خنجراً أذبح به شمساً تجنح للرحيل.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |