قوة التسامح 

 

كان يمكن للعظيم نيلسون مانديلا، أن يظل رئيساً للأبد، وبدون أن يحرق البلد. أن يظل 100 مرة وشعبه يمنحه صوت التمديد، وكان بوسعه أن يطهر البلاد من سجانيه البيض وينتقم منهم، لكنه رأى أن ما من شيء أقوى من التسامح، فسامح وصافح، فحرر شعبه، ودفع ببلده إلى الأمام، وخلد إيقونة إنسانية.

أما الذين جاءوا بإنقلابات عسكرية، فقد تحول جلهم إلى طغاة دمويين لا يرضيهم إلا الدم، وهؤلاء لم ولن يبرحوا كراسيهم إلا بالقتل، وما زالوا على أتم استعداد أن يفنوا شعوبهم، حتى آخر طفل في سبيل الكرسي.

وأمامكم تاريخنا القريب لتستعرضوه. فهم لم يمتلكوا يوماً روح التسامح، حتى مع اطفال كتبوا على جدران مدرستهم عبارات، تشجب قائد الأبد، بشار الأسد. فلولا استبداد هذا الطاغية المتغطرس ورده الدموي، لما وصلنا إلى حرب طاحنة لا تلوح نهايته في أفق.

في افتتاح مؤتمر شبابي في عجلون عن الملك الراحل الحسين، قبل يومين، همس جاري في أذني: أتستطيع الربط بين الحسين ورحيل مانديلا وحاكم الفايز؟، فترحمت على ثلاثتهم، فقال: سأذكرك فقط بما قاله المرحوم حاكم الفايز لقناة الجزيرة بعد خروجه الصعب من سجن الرفاق: حاولنا قتل الحسين، فُسجننا 3 أشهر فقط، وحين إختلفنا مع رفاقنا في دمشق، أخذتنا غياهب السجون لأكثر من 23 سنة.

ثم أضاف: التسامح هو الذي يكتب التاريخ، أما الإنتقام والطغيان فمصيره معروف. ودائما لا يدان السجين، بل السجان. ولا يخلد في روح العالم إلا الصفح والتسامح، وعدم الإنتقام.

يحق لنا أن نشعر برعب كبير، ليس من تمادي بشار في دم شعبه، فهذا مفهوم في سيكولوجية الطغاة في ربع ساعتهم الأخيرة، بل من شبيحة ما زالوا يشدون من عضده ويجملون طغيانه، ويتبجحون بدعمه وتمجيد فتوحاته، حتى في حالات إذعانه، وحتى بعد أن سلم سلاحه الكيمياوي للأمريكان يدمرونه بعرض البحر. وهذه هي قلعة الصمود التي خرموا رؤوسنا بها.

هؤلاء لم يصدقوا أن نظامهم قتل عشرات الآلاف من الناس، وشرد الملايين، وسبب كوارث لسوريا وجوارها، فالصور تكذب، والصوت يكذب، والقتيل يمثل بدمه المسفوح، ويتصنع موته ويلوي عنقه. وهم لا يصدقون الفضائيات، التي كانت لهم منصة لإطلاق تصريحاتهم الثورية، حول حرية الشعوب، وحقها بالكرامة والإباء.

اليوم، نرى كيف يشيع العالم مانديلا، وكيف يؤبنه ويتخذه نبراساً. ورأينا كيف يخلد الناس الزعماء، الذين تجنبوا الإنتقام، وترفعوا عن الدم. ورأينا أيضاً، وسنرى كيف يركل العالم الطغاة المعمدين بالدم والإنتقام، وأين يلقى بهم؟.

بقلم رمزي الغزوي

المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية