قنابل أخرى
شتاءاتنا الجميلة المفعمة بالخير والطيب تظلُّ كسيحة، تسير على كرسي مدولب، ما لم يأت الثلج فارشاً بساطه الطازج، فوق عروس روابينا، فإذا هلَّ حلمنا الأبيض، دب الفرح في العروق دبيب النمل؛ فنطير مرحاً كفراشة نار؛ نبحث عن غيمة تشبه حوتاً سميناً، نهزّها من جذوعها، هزّ الجائع لنخلة الرطب، وننتظر هذا الجميل أن يتساقط: ثلج..ثلج..ثلج
| | .
ببوصلة الغريزة الصادقة، كنّا نحزر ونوقن، أن في أثداء السماء ثلجاً يانعاً مثل قطن منفوش، فعندما يكون قرص الشمس حامياً، ويكاد يحرق عين العصفور، في يوم ذي برد، كنا نسمي هذه الحالة:(الشمس المطرودة)، وندرك أن الأمر لا بدّ ويسفر عن وجبة ثلج، وأن السماء تخبّئ لنا هدية حان حينها | | .
كنا إذ نصحو من دفء فراشنا الثقيل، مفعمين بأمل يوم عطلة جميل، فنهرع إلى الشبابيك، نفتحها قدر إصبعين، ونمد النظر: ياااااه قد شاب الشجر، يا الله | ، ما أجملنا مع شيب الشجر، فنسرع إلى جدنا، المكتنز بفروة الصوف، لصق المدفأة، فنشكو إليه شيخوخة الشجر، فيحزن لنا قليلاً، أو يتحازن، إذ وصل الشجر سريعاً إلى أرذل العمر | | ، ثم يقول مقهقهاً كولد جريء: إلا الشجر، فشيبهُ الشجر أول الخير، وباكورة العمر | | | .
وجدي كان يدّعي أن الثلج ملح الأرض | | ، فهل تطيب الدنيا بلا ملح؟ | ، فهو يطهرها من أمراضها، وحشراتها الضّارة، لكننا وعندما كنّا نتذوق آذان القطط الهاطلة من سماء مضببة، كان طعمها يبدو حلواً، ونخشى أن نُفصح عن أمرنا؛ بأن الثلج سكر الأرض، وليس ملحها، لكننا لا نواجه الجد بالحقيقة، فيحرمنا من خباياه اللذيذة | .
الثلج إذا ما تنزل غزيراً كبيراً ممتلئاً كنا نسميه (آذان القطط)؛ ونُشنِّفُ آذاننا على اتساعها؛ نسمع قطط السماء الحنونة، إذ تموء على الفئران الخانسة في دفء الجحور | | | ، ولهذا أرسلت آذانها ترصد حسيسها، فهلمي أيتها السماء، وادخلي بيتنا الدافئ | | .
في حضرة الثلج، تشتعل المعارك نصف البرئية، فنقفز فوق سواتر الخجل، ونلعب مع البنات بكرات الثلج المرصوصة، ونرشقهن من فوق منازلنا بقنابل تعج بالأمنيات والقُبلات، فيما البنت التي لم تقو على خجلها، لاذت خلف الشباك النصف المفتوح، وراحت تتلمظ على كرة ثلجٍ طائشة من ولدٍ عشَّش في البال منذ شتاء فات | | .
فمرحى لبوصلتنا الشفيفة، إذ ترصد شمساً طردها البرد، وإذا تكشف ثلج المرح، ومرحى لمعاركنا القديمة نصف البريئة، وآاااااااه، كم أتوق لكرة ثلج دسمة، تعج بقبلات من تلك البنت | | | .
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور
login |