عقلية البرميل
في زمن البارود والأواني المعدنية والقتل الرخيص، لم يعد هناك أية قيمة عملية للمثل الشعبي المتداول (كل إناء بما فيه ينضح). فهذه المواعين غدت كتومة لا تفضح ما بداخلها، وليست كالجرار الفخارية، ذات المسامات، التي ترشح وتندّي؛ فتنبئ عما بداخلها. هل هو بارود محفوز كبركان، أم شظايا كأسنان شياطين زرق، أم غاز ساينيد، أو خردل.
لا ترشح البراميل الممطورة على حلب الشهباء، ولا نستطيع أن نتبين ما تحويه أو تلويه، وهي تهوي كجلمود من بطون الطائرات. لكن سنعرف حينما ترتطم ببيوت الناس، ورؤوسهم، وسياراتهم، أي جحيم مجنون كانت تكتمه هذه القنابل الشريرة، وأية مسامير وقطع معدنية وكرات ستقذفها بعشوائية وهمجية، لتزيل كل ما يندرج تحت مسمى حياة.
لن نستغرب كيف يتفتق عن هذه العقلية الإجرامية الضليعة ابتكار طريقة رخيصة مهينة في إعدام الحياة وتبديدها، طريقة لا تشبه إلا رشاش يطرطر صليات رصاص من يد أعمى في زفة عرس. إنها عقلية البرميل، حينما يتقمصها طغاة مفلسون يؤولون للسقوط.
كنت أتوقع أن مشهد الجنود الذين أتهموا بالتمرد على حاكمهم، قبل أزيد من 22 سنة، فأمر أن تطوق خصورهم بالرمانات (القنابل) وأصابع الديناميت، بعد أن حفروا قبرهم، ثم فُجروا عن بعد. كنت أتوقع أن هذا المشهد الأليم لن يغادر رأسي، لكن مطر البراميل البشارية المجنونة في حلب ينسينا العجب.
قبل أشهر، أعدم الرئيس الكوري الشمالي أحد وزرائه بقصفه بقذيفة هاون، وكأن عقلية الطاغية واحدة في كل زمان ومكان، من أول النمرود وفرعون مروراً بالقذافي وبشار، مع فارق بسيط، أن براميل بشار الهاطلة، لا يمكنك في حال من الأحوال أن تحزر أين تهوي، أو كيف تنفجر؟
.
الرئيس الكوري أريد ذلك الرجل فتاتاً لا يُلملم في كيس ليدفن كباقي خلق الله، أراد محو أثره تماماًً. ولأن الطغاة، يتعلمون من بعضهم، أو كأنهم (قارئون عند شيخ واحد)، فلن نستغرب عقلية البراميل، وهي ترسل الموت والخراب على سوريا، بعد أن جعلها استبداد بشار وعقليته البرميلية ساحة حرب طاحنة، لا يلوح في الأفق متى ستضع أوزارها.
الطغاة لهم عقلية موحدة، هي شطب ومحو كل من خالفهم الرأي، أو طالب بحريته وحقه بالكرامة. وكأنهم يريدون بهذا أن يفرغ نزواتهم بإزهاق أرواح الناس، لأنهم عاجزون عن إبعاد الموت عن أنفسهم، عاجلاً أم آجلاً، ولهذا نراهم يتفننون ببثه وزرعه في أجساد شعوبهم بطائرات (الميج)، وبراميل البارود.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |