احتفال آخر

 

جاء في معجم لسان العرب لابن منظور تحت باب حفل: حَفَل الماء واللبن يحفل حَفْلاً وحُفُولاً وحَفيلاً أي اجتمع، وحفلت السماء: اشتدَّ مطرُها وجدَّ دفعها، وحفل القومُ: اجتمعوا واحتشدوا. أي أن الاحتفال في معناه العام والشامل يعني الاجتماع والاهتمام بالشيء.

ولهذا وبعيداً عن الفتوى الخلافية التي نهت عن الاحتفال بعيد المولد النبوي وحرمته لدخوله باب التقليد للغرب وعاداتهم، أرجو أن أتساءل: ماذا نفعل في هذا اليوم الأغر غير أن نعطل ونمعن بالنوم الرخي حتى الظهيرة، خصوصا بعد أن قربنا هذا اليوم يوما ودمجناه مع عطلة الأسبوع, فيما تكفلت بعض محطات التلفزة بإعادة فيلم الرسالة الشهير، الذي حفظناه عن ظهر قلب، وفيما يهب خطباء المساجد لتكرار خطبهم التي أطلقوها على مسامعنا في احتفال العام الفائت أو الذي قبله: لا فرق.

الأمة الإسلامية التي تشكل أزيد من خمس العالم تحتاج أن تكون ذكرى المولد النبوي خطوة فاصلة في أفعالها وحياتها، على مستوى الأفراد والمجتمعات، تماماً كما كان مولد هذا الرسول العظيم عليه السلام مفصلاً مهماً في حياة البشرية. فمثلاً ماذا فعلنا بخصوص الإساءات والافتراءات التي أطلقها بعض الغربيين قبل سنتين وأكثر، نحن حمينا وانفجرنا بسرعة البارود، وأقمنا الدنيا ولم نقعدها، ولكننا بغضون إسبوع بردنا ونسينا، وكأن شيئا لم يكن: لأننا نتحرك تحت مبدأ (الفزعة)، ولهذا تجيء أعمالنا انفعالية، غير مبنية على روية التعقل والحكمة وبعد النظر.

يبدو أننا نمتلك طبيعة بشرية مختلفة لا تخضع لفيزياء الأفعال وردودها حساباته، فنحن نحمى بأسرع من ملح بارود محمص، ولكننا نبرد بذات السرعة أيضاً وتخور قوانا، وكذلك نمتلك ذاكرة قوية للأحداث البعيدة (الذاكرة بعيدة المدى) بحيث نتذكر تفاصيل الهجرات السامية من جزيرة العرب قبل آلاف السنين، وننسى ماذا كان عشاؤنا، أو عدد قتلانا في غزة، أو مثلاً كم إساءة صحفية وتلفازية في الأسبوع الفائت صدرت من بلد أوروبي ضد رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، لأن ذاكرتنا قصيرة الأمد ضعيفة.

أنا مع الاختفال بذكرى المولد النبوي الشريف، ومع التذكير الدائم بهذا الحدث الأبرز، كلما واتت الفرصة، ومع العمل الجمعي والمنظم لإيضاح الإسلام للعالم بصورته الصحيحة، وأن لا نترك المتطرفين يرسمونه بطريقتهم، وبما أننا نمتلك مئات الفضائيات الغنائية والفضائحية وغيرها. لماذا لم نفطن أن نخاطب عقل العالم بلغته بطريقة ذكية ومنطقية، بعيدة عن عواطفنا، فأين الفضائيات التي أنشئت لمخاطبة الرأي العام الدنماركي مثلاً، أو السويسري أو الأمريكي وغيرها. نحن ننفق المليارات على توافه الأمور بسخاء وحاتمية، ولكننا نبخل في هذا الأمر الجلل.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور