ترقيم وتكريم

 

أرادت بلدة في العالم الثالث، أن تكسر القاعدة وتكرم واحداً من مبدعيها ومفكريها، وهو ما زال على قيد الحياة، فقد جرت عاداتنا أن نتنظر المبدع حتى يغيبه تراب الموت، ويطويه كتم النسيان، فتطول أرجله عندنا (بالرثاء)، ثم نطلق اسمه على شارع فرعي من شوارعنا، تلك البلدة قررت أن تقيم تمثالاً لائقاً من البرونز، لهذا المفكر يكلفها مبلغاً طائلاً، لتنصبه في ساحة من ساحاتها العامة.

وعندما سمع هذا المبدع بهذا التكريم العظيم، طارت دمعة حرى من عينه، فالعوز يحاصره من جهاته الأربعة، وضيق ذات اليد يخنقه، ويجعله مطمورا حياً، فصرخ صرخته المضحكة المبكية: يا مدينتي الفاضلة، اعطيني ثمن التمثال، وأنا أقف لكم مكانه ليل نهار.

لست مع إقامة التماثيل ونصبها لأحد في الساحات العامة، سواء لمفكرين أو سياسيين أو مبدعين، ولكني مع أن نلتفت بعين الرعاية لهؤلاء المبدعين، ونكرمهم وهم أحياء يرزقون، ونغدق عليهم كرمنا، ونوفر لهم سبل الحياة الكريمة الطيبة، التي تليق مع ما يقدمونه لإثراء ثقافتنا وحضارتنا، والأهم من ذلك أن تعمم أفكارهم ومآثرهم وكتبهم وأن يستفاد من علمهم أو عملهم، ثم لا ضير أن نطلق بعد ذلك اسمه على مكتبة عامة، أو قاعة تدريسية في جامعة، أو مدرسة، أو صالة فنية أو مسرح، أو ساحة عامة.

كما أعتقد أنه من المريح أن لا نسمي كل شارع فرعي باسم، فهذا يخلق ارباكاً وتشتيتاً، وأقترح لو يُكتفى بتسمية الشوارع الرئيسية فقط، فيما ترقم الشوارع الفرعية بأرقام متسلسلة، فهذا أجدى وأهدى سبيلا، وهو متبع في كثير من الدول المتقدمة.

وفي ذات الشوارع سنقرأ كماً هائلاً من الأسماء، على اللافتات الزرقاء الصغيرة، بعضها لأبطال معروفين، وبعضها لقرى قديمة، أو أنهار دائمة الجريان، وأخرى لشخصيات هامة، ومعارك فاصلة، لكن بعض الأسماء نكرة لا تعني شيئاً لذاكرتنا الجمعية أو الشعبية، وقد لا تعني إلا صاحبها أو أحد ورثته، وإلا كيف يُطلق اسم رجل على شارع (وهنا لا أنتقص من قيمته كإنسان)؟، فقط لأن واحداً من أبنائه صار في (الواصلين).

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية