كرة الورق  

 

وقع فيل عمره شهران فى فخ صياد متربص، فباعه لرجل يملك حديقة حيوان في ساحة قصره. ولكي يروضه ويدجنه و(يكبِّسه)، فقد ربط رجله بسلسلة حديدية قوية، تجر كرة فولاذية ثقيلة، لا يقوى على تحريكها، إلا بشق الأنفس، وتركه في أقصى الحديقة يرعى.

بداية الأمر شعر الفيل بالغضب بسبب المعاملة القاسية، وعزم على تحرير نفسه. فكيف يقبل أن يكون مأسوراً، وهو الفيل الثقيل. لكنه كلما حاول أن يشد السلسلة انهالت عليه الأوجاع لثقل الكرة الفولاذية. وبعد عدة محاولات كان يتعب وينام, وفى اليوم التالي يفعل نفس الشىء بلا جدوى. فقرر أن يتقبل الأمر الواقع.

وفى إحدى الليالى، وعندما كان الفيل نائماً بدل سيد الحديقة الكرة الفولاذية الكبيرة المربوطة برجله بكرة صغيرة خشبية خفيفة يقوى عليها فار صغير. وهذه كان من الممكن أن تكون فرصته المواتية لتخليص نفسه. ولكن حدث العكس تماما. فقد تبرمج الفيل على أن محاولاته التي ستنتهي بالفشل، وأنها ستسبب له آلاماً وجراحاً، فقرر أن (يحط رأسه بين الروس، ويقول يا قطاع الروس).

وفى أحد الأيام زار الحديقة فتى مع والدته، وسأل سيد الحديقة: هل يمكنك أن تشرح لي كيف لا يحاول هذا الفيل القوي العملاق تخليص نفسه من هذه الكرة الخفيفة، التي يمكنني أن أركلها بسهولة إلى المريخ، أو زحل؟. فرد مبتسماً: نعم يا عزيزي، الفيل قوي ويستطيع تخليص نفسه فى أى وقت يشاء، وأنا أعرف هذه الحقيقة، ولكن المهم أن الفيل لا يعرف هذا. ولا يعرف مدى قدرته وقوته. لقد كبّسته على الإستكانة.

الشعوب التي انتابها طغاة يشبهون سيد الحديقة بعقليته وفكره وطريقته. هذه الشعوب، عليها أن تعرف، وأن تعي، وأن تفهم أنها كانت مربوطة على قيد المذلة لعقود طويلة بكرة ورق خفيفة، يمكن ركلها إلى كوكب بلوتو أو إلى مجرة المرأة المسلسلة أو أبعد ببعيد. فواهية مرابط الطغاة وكراتهم وسلاسلهم. وبيوتهم وأنظمتهم هشة، بل أوهن من بيت العنكبوت.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور