جاجة وكماجة 

 

لم يدهشني أن تتناسل أكشاك (أبو صينية لوّاحة) بهذه السرعة العجيبة في عمان، لتصل لأكثر من 2500 كشكاً في بضع سنوات أو أقل، أو أن شاباً قبالة كل كشك يهش بصينيته ليثير رغبتنا لكأس قهوة. بل يضحكني أن تشابه هذه الأكشاك، ليس بالديكور، وصورة رجل مطربش بسروال أسود، وماركة البن. بل أن تتشابه حتى بالإسم الذي لا يخرج عن بنديرية: أبو العبد للقهوة العربية الأصيلة.

يبدو أننا مجبولون على التقليد، نعاني كسلاً ذهنياً يبعدنا عن إجتراح وإبداع الجديد الذي ينوّع حياتنا ويثريها. ولهذا شعرت بحزن وضيق حينما طالعت إحصائية دائرة الأحوال المدينة حول الأسماء التي أطلقناها على إبنائنا وبناتنا في الثلاث سنوات الماضية.

فاسم جنى، وهو لا شكّ جميل يدل على العطاء، احتل المرتبة الأولى من حيث من تسمت به، فلا تعجب بعد سنوات، أن تجد في الصف المدرسي الواحد خمس أو ست جنوات، سيما بعد أن أُطلق على أكثر من عشرين ألف بنت.

وأسماء مثل: لين، ليان، جود، وجد، لُجين سجلت أرقاماً تتقترب من ما وصل إليه جنى، وقد وجد صديقي الطريف تفسيراً لإنثيالنا على اسمي (لين وليان) تحديداً، فهما برأيه يتساوقان مع شغفنا بالمنسف، الذي يحتاج للين والليان والتشريب.

في القصة الشعبية أن (بلّانة)، والبلان هو شوك قوي كان يستخدم في صناعة المكانس، قد ضاعقت باسمها الذي كنس روحها، وجرح حياتها، حتى مر ذات ملل دوّاج (بائع جوّال) يدعي أنه يبيع الأسماء الجميلة.

بلّانة قايضت الدواج اسماً بكل مونة البيت، وحين عاد زوجها، لم تفتح الباب إلا بعد أن أخبرته الجارة باسمها الجديد؛ فناداها أن افتحي يا (رز بحليب)، ويا كلما برد يطيب.

بالطبع لا أريد لأحد أن يسمي ابنته رز بحليب، أو بقشطة أو بهيطلية، ولكني يربكني جنوحنا للتقليد والإستنساخ، فالأسماء لا تحتاج مقايضة بمونة البيت، وهي مجانية في فضائنا المفتوح، الذي يتيح أن ننتقي أسماء جديدة موحية ذات دلالة جميلة لأبنائنا وبناتنا.

لماذا لا نعود لتاريخنا لنبث الحياة في أسماء ذات بصمة، أو نعود للإرث الإنساني الذي يحوي كثيراً مما يستحق أن نتسمى به؟. نحتاج أن نبتعد عن عقلية (قهوة أبو صينية) واستنساخها، ليس في الأسماء فحسب، وإنما في الأعمال والأفكار والمشاريع.

في عرفنا الشعبي، أن من يسرق اسم ابنك أو بنتك ليطلقه على ابنه أو بنته، عليه أن يقدم لك (جاجة وكماجة). ومن الاشهى للدجاجة أن تكون مشوية، وملفوفة بخبزة إفرنجية. وصحتين عمي أبو جنى.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية