أم سعود

 

قالت لي سيدة مسنة: أنتم (لجيتوا كثير) في الثلجة الأخيرة واللجة مش مليحة يمه. بمعنى أننا تذمرنا وضاق خلقنا وضاقت بنا الدنيا حينما أغلقت الشوارع ليومين أو ثلاثة، وكأننا لم نعرف الثلج وظروفه. أي أنها تعزو مجيء أربعينية الشتاء جافة دون مطر للجتنا وصخبنا.

قديماً كانت جداتنا يقمن بإشارة موحية، إذا ما أوشكت الدنيا إلى الجفاف والقحط، فيقعدن على عتبات البيوت ويجرشن بالرحى الفارغة، والرحى طاحونة يدوية تتكون من حجرين من البازلت أو الصخر يدور العلوي على أخيه لطحن الحبوب. أي أنك، يا رب، أنت شايف وعارف، سنطحن الهواء ونأكله ، إن تأخر مطرنا.

ثمة دعوات متأخرة لصلاة استسقاء، وفي العادة يقلب الناس ثيابهم خلالها، أي يجعلون باطن الثياب تجاه السماء تيمناً بأن تنقلب سنة القحط وتتبدل الحال. ولكن قبل هذا علينا أن نقلب قلوبنا، وننقيها، ونطهرها، ونعمرها بالمحبة: اقلبوا قلوبكم قبل ثيابكم.

في غابر السنوات كانت أربعينية الشتاء تمضي بلا مطر كسنتنا هذه، ومع ذلك فقد كان أجدادنا يتمسكون بالأمل بخمسينية الشتاء لترويهم وتعوضهم وتجود عليهم، ولهذا كانوا يزرعونها خصباً في نفوسهم.

أجدادنا قسموا الخمسينية الى أربعة أجزاء متساوية زمنياً، كل جزء سموه (سعداً)، فيصبح لدينا بدل السعد الواحد أربعة سعودات. ومن المفترض أن الأول من شباط كان أولها (بسعد الذابح)، وهو اثنا عشر يوماً نصف اليوم، وسمي بهذا: لأن أحدهم كان يملك ناقة واحدة ، ومن شدة البرد والمطر ذبحها وأكل منها وتدثر بجلدها.

أما السعد الثاني فهو (سعد إبلع)، فقد لاحظوا أن الأرض في مثل تلك الأوقات تصبح لينة وطرية مثل الإسفنجة، من كثرة المطر الذي تلقته، والذي مهما غزر فإنها تبلعه وتخبئه في جوفها لقابل الأيام، وتفجره على شكل عيون وينابيع وجداول.

ومن بعد ذلك يهل (سعد السعود)، وفيه تبدأ الحياة تدب في الأرض بشكل لافت، فيبدأ جريان الماوية في العود، والماوية هي العصارة التي تمد النبات بالغذاء بعد فترة الكمون والسبات التي مرت، ولا تخلو هذه الفترة من زيارات المطر في بدايات آذار، الذي يكنز في ذاكرتنا الشعبية (سبع ثلجات كبار).

آخر السعودات في خمسينية الشتاء هو (سعد الخبايا)، حيث نقترب من لثغة الربيع الأولى، ورائحة الصيف، ويكون هذا السعد في الثلث الأخير من آذار، وسمي بذلك لأن كل ما كان مختبئا في رحم الأرض من كائنات وأزهار وورود ونبات سينتشر منتشياً على وجه البسيطة. وستنتشر جحافل فرحتنا من الآن. فأهلاً بأم السعود، سيدة المطر.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور