صغير
لم تعلق في ذهني الأرقام القياسية، التي كسَّرها المغامر (فيلكس) بقفزته الشهيرة قبل أكثر من سنة وأربعة أشهر. ولم يوقفني اختراقه لجدار الصوت، بسرعة تفوق سرعة كلامنا وأحلامنا المهموسة في أذن الريح. لأن آخرين سيأتون ويتخطونه بسرعة أكبر. ولم أُدقق في العلو الذي تهاوى منه، لأن آخرين قد يصعدون لخارج غلافنا الجوي، ويسقطون كاسرين أرقامه. فما دامت النساء تلد، لا تقل: أنا.
ولم تلفتني النكات والقفشات الذكية التهكمية، التي زامنت تلك القفزة، فعلى جمالها، وخفة دمها، نسيت معظمها. ولم أنشده لدموع أم هذا المغامر المدرارة، فهكذا دأب الأمهات الطيبات، إذ يتلقفن نجاحات أولادهن بمطر العيون، وعصر القلوب.
إنما أسرتني كلمات قاله الرجل لحظة سقوطه. كلمات لم تعمم في نوافذ الصحافة، ولربما تجاوزها الناس في هيلمان غرورهم البشري، أو مروا بها مرور الظانين ظن الخلود. قال هذا الإنسان: عندما كنت في ذلك العلو، ورأيت الأرض تحتي، عرفت كما أنا صغير.
الله الله، يا عم فليكس. في العادة، وعند شاهق تلك الإرتفاعات تأخذنا نزوة الغرور، وينتابنا زهو طاؤوسي طاغ. فيرى الواحد منا نفسه أكبر من الدنيا، وما فيها، ويقول أنا وحدي وبس. سيما إذا رأى الأرض ككرة قدم زرقاء تصلح لركلة جزاء، أو رأى سور الصين خيطاً ممدوداً، والمحيط الأطلسي كأس ماء مدلوق في صينية.
هذا الرجل لم يقل هذا. لم يقل: الناس صغار، يحتاجون لمجهر إلكتروني لأراهم. لم يقل إنهم جراثيم أو بكتيريا. بل قال: (أنا صغير). ولم يقل كما يقول الطغاة، من أول النمرود حتى القذافي، وصولاً لبشار. حين رفعهم هواء النقص والضعة والهوان: نحن سادة الدنيا المُخلدون الصاعدون، بلا سقوط. بل قال: انا صغير.
سقوط فليكس فتح أبواباً كثيرة لصعودات عظيمة لبني الإنسان، فهم قادرون على تخطي سرعة الصوت بأجسادهم، وقادرون على علو متزايد. سقوط فليكس، ليس إلا نهوضاً لافكار علمية ستتحق قريباً، لهذا الكائن الطيني المجبول بماء الإرادة، والمنفوح بروح الخالق.
هناك من يرتفعون أعلى من هذا، بالوهم طبعاً، وهم في سراديب خوفها جرذاناً، يرتفعون ليكون سقوطهم مدوياً، وليصبحوا هباء منثوراً، ونسياً منسيا. ولهذا يراد من الذين نفخهم الوهم، وملأهم هواء فاسداً، أفسد عقولهم وأفئدتهم، يراد منهم أن يبقى على الأرض، على الأقل، امتثالاً لصوت الفنانة نجوى كرم (خليك على الأرض). أو لصوت عمر ذياب: أنا مهما كبرت صغير، وأنا مهما اعليت مش فوق
.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور
login |