يا طالب (الدبس)


من قال، إننا عدنا بخفيِّ جنيف؟. أو حصدنا عقيراً (السنابل التي تُهمل لصغرها وضعفها)؟، ومن قال، إننا خضضنا الماء بقوة، وعلكناه بالأفواه الدُردِ، وذات الأسنان والنواجذ، وظل ماءً؟، ومن قال، إن جمل مفاوضات الألب البيضاء لم يتمخض إلا عن فأر أعمى سيصير مهزلة للغبراء، وصحرائها الإنسانية، ذات تاريخ مغبون؟..

بل عدنا بالكثير يا حظنا الوفير. عدنا باعتذار من الإبراهيمي يتأسف فيه للشعب الذبيح، أن العالم بأطيافه يعجز عن تخثير نزفه، وسيستأنف بببرودة أعصاب، وطمأنينة قلب، تفرجه الغبي على مذابحه، ومقابره، وسجونه، وشجونه.

عدنا باعتذار مقتضب من قلب إنسان نحسبه صادقاً، ويعي أن صدى الاعتذار في أزمنة الموت الرخيص قد يكفي أو يشفي. اعتذار نعرف أنه يصيّر الأبوابَ جدراناً أمام أية نسائم من الأمل والأمنيات. وهذا يريح، ويريح.

فلنفرح باعتذارك إذن يا سيدي، ولنقم الليالي الملاح، ونعلي الأفراح، فاعتذارك يتسيد طيوف الحقيقة، وسيغدو رأس كل حل يلوح في عتمة العتمة، وسيغدو زبدة لتعب مديد، ومعقوداً لتمر يدَّبس حلاوة وطيباً في صيفنا. هذا الإعتذار سيوقف هطل براميل البارود بمساميرها وشظاياها فوق حلب، وبناتها.

الاعتذار سيكسر أمواج النزوح، وسيبلسم الجروح. وسيقلي بيضاً بلا زيت، ويغلي شاياً بلا شاي، ويملاً معدة من لم يذق فطيراً أو خميراً منذ وجعين وموت. اعتذارك سيعيد المشردين لكرومهم وحقول الحنطة في وادي خالد. اعتذارك سيدر ضرعا أم جوعى ليدفق الحليب نهراً بفم رضيع آلَ للجفاف، والعظم الطري.

يا أيها الأخضر، لا تعتذر لشعب يعرف ذبّاحه تماماً. بل نطالبك باعتذار لنفسك. فكيف آمنت، وأنت المحنك المحكك المعجون بماء التجارب أن نظاماً مستبداً يمكنه في يوماً أن يسلخ جلده ويغير طبعه؟, كيف صدقت أن بإمكانك أن تأخذ حقاً أو باطلا من نظام لا ديدن له إلا الدم؟، أصدقت أنك ستحشره في خانة مفاوضات، ربما ستفضي لحل يزحزحه عن عرشه الأبدي؟.

النظام الأسدي نعرفه، فليس له من اسمه نصيب أو نسيب، بل له روغان ثعلب يروم ليّ عنق الوقت لكسب فرص هدر دماء أخرى. ونعرف أيضاً أن كل نظام دكتاتوري جبان، يجنح للتفاوض خداعاً وتضليلاً، وأنه لا يخجل، أو يستحي، بل يخاف خوفاً.

اعتذر لنفسك، أنك حسبتَ السراب ماء بقيعة نظام غشوم ظلوم، ولاحقت العيّار لباب الدار، وأنت تعرف أن لا زيت عنده أو ماء. بل دماء ودماء. اعتذر لنفسك أنك طلبت الدبس من بطن النمس.


بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور