آذاري
دائماً كنتُ أدافع بشراسة العشّاق ولطفهم عن آذار. بأنه شهر الحب، لا شهر الحرب
، وأنه زمن النوّار لا وقت (الطوز) والغبار. ومع هذه الطبول التي تقرع بشدة في عالم غرس (الراء) بخاصرة الحب، أجدني أيضاً سأنحاز إليك، ببوصلة الأمل والثلج.
آذار هو(مارس)، في التقويم الروماني، وهو سيد الحرب لديهم، وكان يمثله كوكب المريخ، صاحب اللون الدموي. ولولا غبار الجو الذي كتم علينا سماءنا، لقلت لكم أن تأخذوا نظرة لأفقنا الجنوبي الشرقي في عمان، بعد العشاء؛ لتجدوا كوكب المريخ يطفح بحمرته الدموية الغاضبة، وكأنه يتلمظ على حرب تتحمحم في قابل الأيام، أو في البال | .
مؤلم واقعنا. ومؤلم أكثر هذا الغبار الذي يجلل الناس والشجر والحقائق العظيمة في عالم فقد البصر والبصيرة منذ جنون. ولهذا فمن المؤلم أكثر، ألا نجنح لعالم الأمنيات والخيال نتسرى بيه، علنا نجد بعض الراحة والسلام. فلا شيء أطيب من الأماني.
آذار كان الشهر الحاشد بأحلام ربيع يكتنز دحنوناً وفراشات وأقحوان ومسرات. ولكنه يجيء في هذه السنة الضبع (العرب تسمي السنة المجدبة القاحلة بهذا الإسم المرعب). يجيء آذارنا مجللاً بالغبار لا بالنوار: واحزناه واحزناه.
كنت أتوق لو أمسح عن سمائنا ذرات الغبار، علني أملأ قبضتي من قطن ناصع البياض من أعالي الحلم أحشو به وسادة رأسي. يااااااه، بي شوق لثلج يعيد عافتيتي إلي. بي توق لمطر يسند روحي التي تشققت في غيابه الطويل. صباح الأمل يا آذار.
ستظل أنت سيد الأشهر بعين قلبي، ورأس الدنيا، يا وجه الخير، كان فيك من الشتاء حميمية، وكمون بحضن الدفء اللذيذ المشرب بكسرة النعاس | . وكان فيك من الربيع نوّار وأزهار، وبعض طيور عجولة تبكر في غزلها. وكان فيك من الصيف شمس قد تلذع عين العصفور | ، ومن الخريف أشجار عارية تحمحمت أكثر من مرة بليفة المطر. .
كنت يا صديقي عبقَ نوّار اللوز، يتدفق كنجوم الصبح على أغصانٍ عارية. جريء هو اللوز يا سيدي، جريء كقلب عاشق ولهان. أو كقلب ثائر: فصباح الحرية والتحرير يا آذار. فلماذا خالط فيك الغبار النوار؟ | .
ولأني أحيا بروح فلاح رمى حبه وقمحه في عفير الأرض وغبارها، غير آبه بأن لا غيمة تلوح في نشرات الأخبار. فلاح بوصلة قلبه لا تشير إلا إلى السماء. هكذا أنا، سأسامح آذاري، فما زلت أراه (أبا سبع ثلجات كبار): الله كريم.
بقلم ركزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |