(أسكدنيا) راجب
ما زلتُ من الذين يقعون في عشق كوكب الزهرة (نجمة الصبح، أو نجمة المساء)، ليس لأنها ألمع جرم سماوي بعد الشمس والقمر، ولا لأنها شامة وعلامة للعشاق الذين يترقبون طلة الحبيب، يطلعون النهار سهراً بانتظاره، بل لأنها كوكب مختلف كل الإختلاف. يزهر قبل الجميع في صفحة السماء. وهي أخر من يغادر إلى الخفاء قبل أن يدهمنا قرص الشمس في الصباح.
كم أنا محظوظ يا قلبي المجنون، لي نجمة صبح أخرى حطت أرضاً، أحب اختلافها عن باقي الشجر، أحبها إذ تطرح نوارها الأبيض الجميل، بعد أن يطوي الخريف ورقه الأصفر متحفزاً لرحيل في رياح الشتاء. هي (الأسدنيا)، سيدة الاختلاف الراقي، وسيدة المذاقات المتعددة، وسيدة البهجة. هي الأسكدنيا، مجنونتي التي عاندت برد الشتاء وعصي المطر وندف الثلج ونجت بثمارها. هي دنيانا القديمة الجديدة التي تتجدد بثمرها الشهي قبل كل فواكه الربيع وشجره: أهلا سيدتي البهية.
سنختلف في تسميتك:(أبو صاع) في تونس، والبشملة في مصر أم الدنيا، وأنت المشمش الهندي، والأكدنيا والأسكدنيا عندنا. وسنتفق بلسان واحد، أنك مثل الموسيقى، التي لا تؤخذ إلا بالعين المغمضة. (هل جربتم تعاطي الموسيقى بهذه الطريقة؟
). يااااااه، فلنصغي للكنة نكهتك البعيدة القريبة. كأني أحسُّ بصلة قربى بينك وبين التفاح. أهذا صحيح؟؟ | . هل أنتما من العائلة الوردية. قولي، فلا شيء يخفى على ذاكرة المذاق يا سيدتي.
يعجبني أنهم يسمونك الأسكدنيا (الدنيا القديمة باللغة التركية)، فهذه تسمية ذكية عبقرية، لأنك تزهرين في تشارين وتثمرين مع أول الربيع، الذي يجدد الحياة. وحين تأخذنا الذاكرة القصيرة إلى خريف مضى، نتذكر نوارك الجريء الذي تفتح بعدما سبتت الطبيعة للخمول. كم أنت عظيمة، أيتها الحياة القديمة المتجددة. فتجددي، وجددينا.
أول أمس كنا في بلدة راجب (غرب عجلون) العريقة الضاربة جذراً في التاريخ. البلدة الوادعة التي تربض على أكتاف الغور، فشدتنا بساتين الأسدكنيا العامرة بذهبها الآيل للنضوج. وقد كانت البلدة ماركة مسجلة للرمان. لكن شح الماء، جعل أهلها يجنحون لهذه الشجرة قبل عشرين سنة. وتكاد اليوم أن تصبر شجرتها الرسمية.
فلماذا لا يمتن أهل راجب، ويدعموهذه الشجرة؟؟ لتكون هذه السلعة مصدراً وفيراً من العملة الصعبة يدر للبلد إن تم التعاطي معها بطريقة منظمة مدروسة، كونها تثمر في راجب، قبل أي مكان تزرع فيه. ولماذا لا نتوسع بزراعة الأسكدنيا كونها لا تحتاج لكثير من الماء، بدل من إصرارنا على مزروعات رخيصة تشفط كثيراً من مائنا الشحيح. وكل عام وأنتم أسكدنيا.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور
login |