«غدا التربة»


قبل ثلاثين سنة كانت بيوت العزاء لا تُعني إلا سكراً و أرزاً. أي يتوجب عليك أن تحمل كيساً منهما؛ لتقوم بواجب العزاء والمؤاساة. وما زلت أذكر الشاحنة الكبيرة، التي وقفت في باب مأتم؛ لتلقم ما تم جمعه طيلة أسبوع.

العادة بُنيت على التضامن. لكنها خرجت عن هدفها النبيل، لتكتسب بعداً مبالغاً فيه، شكل ثقلاً كبيراً، أرهق كواهل الناس، ووضعهم في حرج التكلف. ولولا قادة اجتماعيون بعيدو نظر انبروا وغيرّوا؛ لبقينا تحت بنديرية هذه العادة.

تذكرت هذا بعد مبادرة (ارحمونا)، التي أُطلقت في الكرك لتشذيب العادات الاجتماعية المتعلقة بالمآتم، وما يترتب عليها من نفقات مالية خاصة لغير المقتدرين، وهدر لوقت وجهد الناس.

بكل تجرد وصدق، فالمأتم في أغلب حالاته بات لا يعني إلا المناسف. بدليل أن المناصب ثلاثية الأرجل تجهز قبل الخيمة أو السُرادق. الأمر الذي جعل شاباً يكتب لي إن عزاء والده كلفهم أكثر من ثلاثة آلاف دينار، تمت استدانتها من أيادي الناس لإطعامهم. مجاراة لعادات المجتمع.

الأصل أن نطعم (المناقيص)، فهم في شغل، ولهم شأن يغنيهم. ونتذكر عادة كريمة غاية في التآلف والتكاتف، عندما كان يُصنع لهؤلاء طعامٌ يسمى (غدا التربة)، يتناولونه بعد عودتهم من تراب المقبرة.

اليوم تبدلت الأحوال وصار على المناقيص، رغم ما بهم من شغل وحزن، أن يغرقوا في المناسف طيلة أيام العزاء، وعليهم أن يطعموا ويطبخوا وينفخوا، ما يشكل ثقلاً مالياً ونفسياً وجسدياً عليهم.

وعليك أن تكون في مشهد من هذا، لتلاحظ الهدر الكبير في طعام نحن بأمس الحاجة لتقنينه، فكله مستورد بمستورد. كما إن المجتمع الاردني، لا ينقصه وزن زائد، أو سكري، وكولسترول وضغط مرتفع. .

كما تخلصنا من عادة، أن يكون المأتم أسبوعاً، يربك الناس ويعطل أشغالهم ويذرهم للهذر والكلام الفاضي، أدعو لتبني وثيقة شرف يقوم بها قادة اجتماعيون وشيوخ وشخصيات مؤثرة، تقنن وتقونن الهدر العام في هذه المناسبات، وتراعي ظروف المجبورين النفسية والمالية وتواكب ظرف البلد.

العادات الاجتماعية يمكننا أن نتخطاها، إذا كانت تصب في صالح التخلف، أو تساعد بنقل مرض أو أذى. وما زالت شكوى أحدهم من مرض جلدي اعتراه جرَّاء التبويس الجائر، المحمول على التقليد، طيلة أيام العزاء. ما زالت ترن في أذني.

أنا مع إعادة (غدا التربة)، وأن يكون بحساب، وأن تُلغى مظاهر البذخ والتباهي، فأجواء الموت يجب أن تجعلنا أكثر صدقاً، بعيداً عن كل نفاق.


بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور