"الغاية تبرر الوسيلة" شعار تؤمن به دول وسياسيون. أما دول وحركات المبادئ والثورة والشعارات فلا تؤمن به وتعلن انها تخوض معاركها على اساس المبادئ وليس وفق منطق الانتهازية والميكافيلية، لكن دعونا نرى هذه المشاهد في حركة عالمنا العربي والاسلامي.
الحركة الاسلامية في كل الدول تقف موقفا ضد الاحتلال الاميركي في العراق، وبعضها يعلن انه مع المقاومة ويدعمها، لكن الحركة الاسلامية او الاخوان المسلمين العراقيين الذين يعملون تحت اسم الحزب الاسلامي كانوا شركاء منذ اليوم الاول في مجلس الحكم الذي شكله المندوب السامي الاميركي بريمر، وهم جزء من ادوات السياسة التي صنعتها ادارة الاحتلال. والآن يحتل رئيس الحزب وامينه العام موقع نائب رئيس الجمهورية، فهل معارضة نظام صدام حسين ومحاولة الثأر منه تبرر العمل تحت ظل الاحتلال والادارة الاميركية؟
ولا يقتصر هذا على الحزب الاسلامي. فالحزب الشيوعي العراقي كان جزءا من مجلس الحكم ووقف الى جانب ما يسمى العملية السياسية التي افرزها الاحتلال، ووجد من يؤيده من الاحزاب الشيوعية العربية، وتناسى هؤلاء ما يسمى الامبريالية والعداء التاريخي مع الولايات المتحدة، فأيهما يصدق الناس؛ آلاف او مئات الآلاف من البيانات ضد الامبريالية ام الانصياع لمنطق المصالح والعمل تحت عباءة الاحتلال؟
على الصعيد القومي كان العراق وسورية محكومين من حزب واحد في مبادئه واهدافه ومناداته بالوحدة والحرية، واننا امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، لكن الخلاف شق الشعار، ووقفت سورية الى جانب ايران في حربها على العراق، والاكثر مأساوية ان يرسل النظام القومي قوات من جيشه الى حفر الباطن للعمل تحت راية الجيش الاميركي لشن عدوان على العراق العربي الذي يقوده حزب البعث، وحتى لو كانت سورية القومية معارضة لاحتلال الكويت، فكيف يسمح الفكر القومي لجيش نظام بعثي في قتال جيش عربي وشعب عربي يحكمة نظام بعثي، ضمن جيش تقوده اميركا الامبريالية؟
ايران نظام قدم نفسه للعالم على انه عدو لاميركا "الشيطان الاكبر"، ومارس تعبئة للعالم الاسلامي بأن اميركا هي العدو، وان الحرب عليها هي مفتاح الخلاص للامة، وهذا الشيطان جاء بقواته الى العراق ومارس عدوانا على الشعب العراقي واحتلالا لمقدراته وارضه، وجلس هذا الشيطان الاكبر على حدود ايران، وفجأة سيطرت المصالح والانتهازية فإيران لم تدافع عن شعب مسلم وارض محتلة، ولم تكتف بهذا بل ان كل اتباعها في العراق اعطوا لأنفسهم الفتوى بعدم رفع السلاح في وجه المحثل بل والتحالف معه، والدافع ليس الدين او محاربة اميركا بل الثأر من نظام صدام وتوسيع دائرة المنافع الفئوية والطائفية، وحتى حلفاء ايران في مناطق اخرى فقد تحدثوا مع الاحتلال الاميركي بلهجة مخففة لأن حلفاءهم في العراق ضمن منظومة ادارة الاحتلال.
اذا عدنا الى سورية؛ فإن الاخوان المسلمين السوريين يخوضون صراعا مع النظام منذ اكثر من عشرين عاما، وبعض الساحات العربية بما فيها اسلامييو الاردن كانوا داعمين للاخوان السوريين، وكان الوصف السياسي والعقائدي في الخطاب الاسلامي للنظام السوري يجعل من المستحيل منحه ولو وصفا ايجابيا، لكن الصورة الان: ان اخوان سورية يعلنون انهم يعملون لاسقاط النظام السوري، وانه نظام ضد مصالح الشعب السوري والامة، بينما يذهب اسلاميون من الاردن وغيره الى دمشق ويعلنون ان النظام السوري قلعة صمود في وجه الامبريالية والهيمنة الاميركية ويصرفون المديح للرئيس السوري في لقاءات معلنة؛ فأي المواقف تمثل المبادئ وايها تمثل المصالح؟ وكيف يعمل جزء من الحركة على اسقاط نظام يعتبره البعض الاخر قلعة صمود في وجه الاستعمار!
قطر فيها اكبر قاعدة عسكرية اميركية، وفي الحرب الاميركية ضد العراق كانت قاعدة السيلية في قطر من اهم مناطق عمل قوات العدوان، ومع ذلك تنصب نفسها عبر قناة الجزيرة وبحجة انها مستقلة لتوزيع المواعظ الثورية والتنظير للحريات والثورة واشاعة الديمقراطية. وهنا لا اتحدث عن الجانب الفني والمهني في عمل القناة، بل عن السياسات التي هي جزء من اداء الحكومة القطرية، فمن يمثل قطر؛ الجزيرة ام القواعد الاميركية العسكرية الضخمة؟!
التناقض ليس في عالم العلن فقط، فبعض القوى السياسية متناقضة مع نفسها! ففي داخل الغرف المغلقة خطاب ثوري يصل حد التناقض مع الانظمة التي تعمل معها، واحكام تشعرك ان الخطوة التالية حمل السلاح، وفي الخارج احاديث عن التعددية السياسية والدستور والديمقراطية والمشاركة السياسية. البعض يغلق ما لديه من وسائل تعبير امام الرأي الآخر حتى من داخل اطاره بينما يمارس المطالبة بحرية التعبير والرأي الآخر حتى لشعب الاسكيمو.
ما دام الجميع يمارسون السياسة والقفز عن المواقف، فلتكن المنطلقات واضحة، وليعلن الجميع ان المصالح تحركهم؛ فليست اميركا وحدها هي التي تكيل بمكيالين، فالكثير منا يفعل ذلك حتى في تشجيع فرق كرة القدم.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة