احيانا، يستعرض الانسان ما يصله من رسائل من القراء الكرام حول قضاياهم التي هي قضايا عامة وليست خاصة، ويستمع الى وجهات نظر الناس في الامور المختلفة، فيصل الى قناعة بأن هناك خللا ما في بنية الاداء الاداري لكثير من المؤسسات العامة والخاصة، وان المشكلة ليست في وجود المشكلات او الثغرات، فهذا الامر من طبيعة البشر، وكل حركة للبشر تحتاج الى تطوير لأي ثغرات تظهر اثناء دوران عجلة الحياة او العمل؛ لكن المشكلة تظهر في حال المشكلات الصغيرة، او المطالب المتواضعة للناس، إذ يجري السكوت عنها، او التغاضي عن واجب البحث عن حلول لها.
سأطوف واياكم في بعض القضايا او المطالب او المشكلات التي قد نراها صغيرة، لكنها بالنسبة لاصحابها وحياتهم كبيرة وهامة، اولاها من خلال رسائل وهواتف من فئة من عمال جامعة مؤتة يشكون عدم صرف اي زيادة لهم منذ سنوات، وان امورهم تحتاج الى مراعاة واهتمام من ادارة الجامعة تتواكب مع ارتفاع الاسعار، فتبقى للوظيفة قيمتها في تأمين متطلبات الحياة.
ومن داخل جامعة مؤتة، ايضا، رسالة من بعض موظفي الأمن العاملين عن طريق مؤسسة المتقاعدين العسكريين، يطالبون فيها بتحسين رواتبهم التي لا تزيد على 115 دينارا، يقتطع منها 27 دينارا كضريبة مبيعات من قيمة العقد الموقع بين ادارة الجامعة ومؤسسة المتقاعدين. وكل مطالبهم ان لا تكون هناك ضريبة مبيعات على رواتبهم، لانهم يعتقدون ان هذه الضريبة هي على ما يباع ويشترى، وليس على رواتب عمال وموظفي امن وحراسة.
قضية اخرى تحدث بها مواطنون آخرون من المتقاعدين العسكريين تتعلق بتأخير صرف قرض الاسكان العسكري. فهذا القرض الذي يبلغ 5 آلاف دينار لضباط الصف (وليس الضباط)، ويحصلون عليه بعد خدمة طويلة، ورغم ان المبلغ لا يكفي الان لبناء غرفتين خلافا لما كان عليه الحال قبل عقود، مع ذلك فان هذا القرض لا يصل الا وقد بلغ مستحقه مرحلة متقدمة من العمر.
قضية اخرى تحدث بها بعض الحكام الاداريين، قد تبدو بسيطة لكنها بالنسبة لهم تشكل همّا وامرا يستحق الحديث، وتتعلق بنظام الكادر للحكام الاداريين ليكون اسوة بالقضاة. فعمل الحاكم الاداري، سواء أكان محافظا ام متصرفا ام مدير قضاء، هو بحكم واجباته طوال الساعة. ويشير الحديث الى نظام السلف الذي يعطى للحكام الاداريين المستقلين، كالمتصرف ومدير القضاء، إذ يصرف للأول 250 دينارا شهريا، منها 100 غير مستردة، و150 دينارا تتم تغطيتها بفواتير (مواد تنظيف، وصيانة سيارة، وضيافة)، فيما يصرف لمدير القضاء مبلغ 100 دينار، نصفه غير مسترد والنصف الاخر تتم تغطيته بموجب فواتير. ويحرم من هذه السلف مساعد المحافظ، ومساعد المتصرف، فيقومون بتأمين ضيافة المراجعين على نفقتهم الخاصة.
اينما تذهب ستجد قضايا يعتقد المسؤول ان بعضها صغير او لا يستحق حتى الاستماع اليه، لكن المواطن ليس مطلوبا منه حمل ملف ايران النووي، او حقيبتي الدفاع والداخلية في الحكومة العراقية، فما يعنيه هو راتبه وقدرته على الحياة، وان يأتي منتصف الشهر وفي جيبه 30 دينارا تكفيه حتى يأتي راتب الشهر التالي. ويشغل المواطن الحاح طفله الذي يحتاج الى حذاء رياضة، او تأمين شيء من واجبات مناسبات الصيف. واستقرار الانسان يتحقق عندما يؤمّن سلم اولوياته، تماما مثلما للحكومات والنواب والسياسيين والدول اولويات. والحكومة التي تحقق للمواطن اولوياته تكون حكومته التي ينتمي لبرنامجها واشخاصها، ولهذا فواجب الحكومات ان لا ترى في اي قضية امرا صغيرا، لانها تكون قد فقدت بوصلة اولويات الناس وحقوقهم.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة