في العديد ولربما الكثير من الأحيان، لا تحافظ المواقع على قيمتها السياسية والادارية مع كل نوعيات الرجال الذين يتولونها؛ فبعض المسؤولين يمكنه ان يعطي لأي موقع قيمة اضافية، ونكهة خاصة، ودورا مؤثرا، حتى لو كان الموقع عاديا، بل وتشعر الاوساط المتابعة ان بعض المواقع تظهر للمرة الاولى مع انها مواقع تعاقبت عليها السنوات والرجال، لكن الفرق بين حملة لقب الموقع قدراتهم وديناميكياتهم ومبادراتهم، وصولا إلى قناعة ان نوعيات من الرجال قادرة على اضفاء الاهمية على اي موقع تتولاه، وتحوله حتى عن طبيعته، فحتى لو كان اداريا محضا حولته الى دور سياسي، وافكار وتحركات لا تحتاج الى ذكاء لاكتشافها ولمس آثارها.
تقول المعادلة ان لكل شخص قدرات وامكانات وابداعات، فاذا تولى موقعا اقل من هذه الامكانات لكنه امتلك طموحا ومثابرة وقبولا من اصحاب القرار، سعى إلى جعل موقعه بحجم امكاناته وليس الصلاحيات. وهذا يسبب احيانا مشكلات وتنازعا على الصلاحيات مع اخرين، او تدخلا وتداخلا في اعمال جهات اخرى، لكن المحصلة ان الموقع العادي يصبح رقما في معادلة ادارة القرار.
في المقابل، هناك من يمتلك امكانات عادية، وطموحا متواضعا، ويفتقد إلى المبادرة والحضور، لكنه يحظى بموقع هام يفوق ما يملك، ويتجاوز ما يستطيع ان يفعله؛ فيتضاءل الموقع وتقل قيمته في الحسابات. ووفق قوانين الطبيعة، فان هذه الصلاحيات التي يفترض بصاحبها ممارستها تكون ملكا للاقوياء من حول هذا الضعيف. ولهذا، يسجل العمل السياسي والعام اشخاصا في الواجهة يحملون القاب المواقع، لكن صلاحياتها يمارسها آخرون. وهؤلاء الآخرون قد يجدون مصلحتهم في مرحلة ما في ان يعظموا مصالحهم ونفوذهم واستغلال الحالة، وعندما تنتهي هذه المرحلة تتطور مصالحهم ربما الى توريط "الواجهة" ودفعه الى الخطأ مرة بعد اخرى لعلهم يكونون البديل.
معادلة الرجال والمواقع جزء من تفسير كثير مما تحمله الساحة السياسية، والخلل دائما اما سببه رجل يحوّل موقعه الى مساحة امكاناته لا صلاحياته، او رجل تخذله امكاناته فتتوزع صلاحياته وسلطاته بين الاقوياء من حوله. لكن ايهما اكثر امنا على مسار الدولة او المؤسسات غير الرسمية: من تفوق امكاناته موقعه، ام من يلبس ثوبا اكبر من ثوبه ويعطى موقعا اكبر من موقعه؟
لن نكون مثاليين لنقول ان الافضل وما يجب ان يكون هو الرجل المناسب في المكان المناسب، فهذا اقرب إلى الشعار والامنية، لان معادلات انتاج اصحاب المواقع ليست خطوط انتاج ميكانيكية تقدم للمستهلك انتاجا بمواصفات واوزان محددة، إنما العمل العام ومنه العمل السياسي تحركه ايضا عوامل غير موضوعية تأتي إلى المواقع بمن لا يستحقونها، سواء في مؤسسات الدولة او الاحزاب والنقابات. واحيانا يتوافق الاقوياء ممن لا يملكون فرص تصدر المواقع على حمل ضعيف يكون اداة لهم، ولهذا يعرّف هؤلاء الرجلَ المناسب بأنه الرجل الذي يحقق اهدافهم لا من يخدم الناس والفكرة.
اما الزعماء واصحاب الصفات القيادية الرفيعة فانهم يحوّلون مواقعهم الى مصدر تأثير ايجابي، ولا يتنازعون مع آخرين على مواقعهم وصلاحياتهم؛ فالزعامة ورجالاتها لا تحتاج الى المؤامرات وشراء الذمم او الاستزلام لتحتل موقعها، بل تفرض بهيبتها وسيرتها، وحاجة الناس إلى صدقها وقوتها؛ تفرض حضورها بغض النظر عن كونها تحمل ألقاب المواقع او خارج الصلاحيات المكتوبة.
كلما رأينا ادوات رخيصة ولجوء إلى النميمة والغيبة والتآمر والكولسات الصغيرة استطعنا قياس منسوب الزعامة؛ فالرمز في اي مجتمع ليس بحاجة الى دفع المال او شراء الذمم حتى يجد له الانصار، إذ من يأخذ منه اليوم يبيعه غدا اذا انقلب ميزان المواقع.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة